"الزنيقا" تعرض صورها بالمركز الثقافي الجامعي
حين تتحوّل العمارة إلى ذاكرة والضوء إلى شاهد
- 237
لطيفة داريب
ابتغت الفنانة المهندسة "الزنيقا " أن تتلاعب بالأضواء والظلال في معرضها للصور المقام حاليا بالمركز الثقافي الجامعي، فقدّمت صورا تبرز خصائص وجمال العمارة الجزائرية العريقة، وأخرى عن المشاهد اليومية، لتمزج بين الذاكرة الفردية ونظيرتها الجماعية في مشهد جميل من الجزائر.
لم تشأ الفنانة الشابة الزنيقا أن تحصر كرّها وفرّها مع الضوء والظلال، لإنتاج صور جميلة وحسب، بل أكّدت من خلال هذا المعرض، دور صورها في حفظ الذاكرة التاريخية وفي تخليد اللحظة التي يظهر فيها معلم تاريخي بكلّ شموخ، وبمختلف تفاصيله، وكذا في ذكر مشاهد من الحياة اليومية. ورأت الزنيقا أنّ هذا المعرض هو ثمرة رحلة عبر المتاحف والقصور في مختلف ربوع الجزائر، التي تُعد أماكن يُحفظ فيها الصمت، والذاكرة، وتحمل جدرانها ثقل القرون، مشيرة في ورقة تعريفية بالمعرض، إلى أنّها بصفتها طالبة تخصّص هندسة معمارية، لا ترى هذه البنايات كهياكل فقط، بل شهودا أحياء على التاريخ. وتعرض الفنانة في معرضها هذا المعنون بـ"ذاكرة"، صورة لباب في قصر أحمد باي بقسنطينة، مبرزة تفاصيله، وجماله، فهو باب يحافظ على تاريخ قديم أكثر مما نتصور.
وفي صورة أخرى لنفس المكان، سلّطت الشابة الضوء على اختراق أشعة الشمس لأقواس هذا القصر بكل جمالية. كما نجد هذا الاختراق والتباين بين الضوء والأنوار على مستوى نافورة للقصر، وهو ما راق للفنانة، ودفعها لالتقاط صورة لهذا المشهد. ودائما على مستوى قصر باي، صورة لطفل يلعب يشكل عفوي لكنه يحمل في روحه شيئا من أرواح القدامى الذين سكنوا المكان وحكموا البلاد وماتزال آثارهم محفوظة الى اللحظة. أما في صورة" توّهج متناثر.. شمسيات وقمريات" فأبرزت الفنانة انعكاس ضوء الشمس على نوافذ ملوّنة.
والتقطت الزنيقا، أيضا، صورا عن مدرسة قسنطينة، من بينها صورة عن ركن مضيء من هذا المعلم القديم بفعل اختراق أشعة الشمس المكان، لتكشف لنا عن تفاصيله الجميلة بكل حميمية. أما عن سلالم المدرسة العتيقة فتظهر في صورة أخرى؛ مثل حلقة حلزونية تأخذ بنا في كل درجة من درجاتها، نحو عالم مظلم لكنه في باطنه مضيء بنور العلم. وعن الزخرفة وذاكرتها الواسعة، التقطت الفنانة صورة لقطع خزفية قديمة، قالت إنها ليست مجرد زخارف، بل هي رمز لعمل دؤوب ودقيق موروث من الأجداد، كما أن كل قطعة منها تروي قصة من الإيماءات والزمن والجمال المتقن، حيث تصبح ذاكرة.
كتبت الفنانة عن صورة التقطتها بميترو عيسات ايدير: "يستكشف هذا المشروع، من خلال الضوء والظل، ما تحتفظ به العين وما يخفيه الزمن. يصبح التناقض لغة: حضور وغياب، ظاهر وباطن. يكشف الضوء، ويحمي الظل. معا، يبنيان ذاكرة صامتة، مؤلفة من شظايا، من أشكال وأحاسيس لا من سرد". ودائما عن الضوء والظلال، التقطت الفنانة صورة لجزء من متحف الآثار القديمة والفنون الإسلامية، عنونتها بـ«بين الظلال"، بينما فضّل الضوء في صورة من المعرض، أن يجلس على كرسي بحديقة التجارب (الحامة) بعد تعب شديد من طول يوم مشمس؛ علّه يجد راحته قبل موعد نومه في الليل.
وأكدت الفنانة في ورقة تعريفية أخرى بالمعرض، أن صورها المعروضة هي استذكار للحياة اليومية؛ فالبالونات المحملة بالملابس والأطفال الذين يعبرون الشارع والمارة المجهولون، مشاهد بسيطة، غالبا ما يتم تجاهلها، ولكنها إنسانية للغاية، مضيفة أنها من خلال هذه الصور، تحتفظ بذكرى حميمة: ذكرى الإيماءات العادية، والوجود الصامت، والجمال الهش للحياة التي تستمر. وعن مشاهد الحياة اليومية، التقطت الزنيقا عدة صور من بينها صورة لأطفال يلعبون دون اهتمام يُذكر بمرور الوقت. وأخرى لطفل يجري في حيّ "ديار المحصول" وخلفه رجال بالغون يحملون ثقل الحياة والمسؤولية. وصورة ثالثة لرجل أمام باب مفتوح ما بين نور الشارع وظلمة البهو.
كما تعرض الفنانة صورة باللونين الأبيض والأسود عنونتها بـ«سطح البهجة"، فبين السماء والبحر المتوسط تمتد المحروسة ببياضها وحيويتها، مسكونة بالزمن والذاكرة. كما التقطت مجموعة من الصور في الليل تحت عنوان "عبور فوضوي" ، استوحت كتاباتها عنها من جماليات الفيلم الكوري الجنوبي " الملائكة المنبوذون" للمخرج وانغ كارل وال، فكتبت: "ضبابية بسبب الحركة، منشغلة بأفكاري" ، و« إيقاع آخر... الفوضى" ، و«ربما كان لديّ شعور بالمشاهدة من قبل معك في المترو" ، و«غرباء يتحركون، جوّ مكثف".
للإشارة، الزنيقا هي فنانة مصوّرة شابة تدرس الهندسة المعمارية في الجزائر العاصمة، شغوفة بالأزقة والظلال وآثار الحياة اليومية. تلتقط المدينة كفضاء حي، مليء بالذكريات، والوجوه، والضوء، حيث تبني بلغة بصرية تربط بين الذاكرة الفردية والذاكرة الجماعية للجزائر. ومن خلال عملها الفوتوغرافي يكتشف زائر المعرض مفهوم الذكريات كعنصر حميمي، فكل صورة بالنسبة لها، هي أثر شخصي، لحظة عاشتها، حضور تقاطع، جوّ شعرت به بنهج عفوي وشعري في آن واحد.