مكتشفات أثرية جديدة تعيد بناء تاريخ الموقع في الفترة الإسلامية

حفريات زموري البحري تفكّ لغز التنظيم العمراني وسياقه المعيشي

حفريات زموري البحري تفكّ لغز التنظيم العمراني وسياقه المعيشي
  • 277
حنان. س حنان. س

أسفرت الأيام الأولى من الطبعة الثامنة للحفرية الأثرية بموقع مرسى الدجاج التاريخي بزموري البحري شرق ولاية بومرداس، عن اكتشافات واعدة ومهمّة، تفتح آفاقًا جديدة لفهم التنظيم العمراني للموقع خلال الفترة الإسلامية، حيث نجح الفريق الأثري في فتح ثلاثة مربّعات حفر جديدة لتوسيع نطاق التنقيب. وتُوِّجت الجهود بالعثور على لُقى تاريخية وأثرية مهمّة.

أكّدت الدكتورة عائشة حنفي، أستاذة البحث العلمي ومسؤولة فرقة الاستكشاف بمعهد الآثار بجامعة الجزائر 2 في تصريح لـ"المساء"، أنّ الغاية الأسمى من أشغال التنقيب بموقع مرسى الدجاج، تتجاوز مجرّد استخراج اللُّقى الأثرية، لتصبّ في فهم الحيّز العمراني والمعيشي الكامل للموقع.

وأوضحت في سياق انطلاق الطبعة الثامنة للحفرية، أنّ التنقيب سمح باكتشاف عدد من العناصر الأثرية المهمّة، من بينها صورتان أو قطعتان فخّاريتان، إضافة إلى خابية كبيرة الحجم. وهي مكتشفات يمكن أن تساعد الفريق إلى جانب المعطيات المعمارية والطبقية، على فهم طبيعة استعمال هذه الفضاءات، ووظائفها، مؤكّدةً في هذا الصدد أنّ الأعمال الميدانية لاتزال متواصلة؛ "ولذلك نتحفّظ في هذه المرحلة، عن تقديم استنتاجات نهائية؛ لأنّ كلّ طبقة أثرية وكلّ مكتشَف جديد يمكن أن تضيف معلومة مهمّة إلى الصورة التي نعمل على إعادة تركيبها"، تقول الأستاذة حنفي، موضحةً في معرض حديثها أنّ الهدف لا يقتصر على الكشف عن اللُّقى الأثرية وإنّما يتمثّل أساسًا، في فهم الموقع في سياقه العمراني والمعيشي، وربط المكتشفات بالهياكل المعمارية والطبقات الأثرية، بما يسمح بإعادة بناء جانب من تاريخ الموقع ووظائفه خلال الفترة الإسلامية.

ويأمل فريق البحث ـ تضيف الأستاذة ـ أن تتيح له أشغال التنقيب الوصول إلى نتائج جديدة، ومهمّة، وأن تسهم في إثراء المعرفة بموقع زموري البحري، وتراثه الأثري، خاصّة أنّ الموقع مايزال يحمل الكثير من الأسرار التي تحتاج إلى مزيد من البحث والتنقيب. وقد انطلقت حملة الحفريات الأثرية الثمينة بموقع مرسى الدجاج يوم 13 سبتمبر 2026. ومن المقرّر أن تستمرّ إلى غاية 24 منه، حيث اختار فريق البحث هذه المرّة، التركيزَ، بشكل خاصّ، على العلاقة بين المنزلين اللذين تمّ اكتشافهما خلال المراحل السابقة؛ من خلال فتح ثلاثة مربّعات جديدة، تسمح بتوسيع مجال الحفر، والكشف عن العناصر المعمارية التي قد تربط بين هذين الفضاءين.

وتأتي هذه الحملة امتدادًا لسلسلة من الأبحاث الميدانية التي شهدها موقع مرسى الدجاج خلال المواسم السابقة، والتي شكّلت حجر الأساس في توثيق الهوية التاريخية للموقع. فمنذ انطلاق التنقيبات الأولى بهذا المعلم المصنّف وطنيًا، نجحت الفرق الأثرية في الكشف عن شواهد عمرانية هامّة، أبرزها أساسات جدران سكنية متتابعة، ومنزل أثري واسع مدعّم ببئر مائية، وساحة مركزية، تعكس طبيعة العمارة الإسلامية الوسيطة في المنطقة. 

كما أسفرت الحفريات أيضًا عن استخراج لُقى مادية متنوّعة، شملت قطعًا فخّارية وخزفية مزيّنة بنقوش هندسية، وقطعًا نقدية برونزية، وأدوات معدنية كانت تُستخدم في الحياة اليومية، مثل ما سبق لـ"المساء" أن أشارت إليه، فيما يُعدّ استمرار أعمال البحث والتنقيب سبيلاً لسدّ الفجوات المعرفية حول التحوّل الحضاري للموقع، وتحويل المكتشفات إلى حقائق علمية، تساهم في حماية الذاكرة التاريخية الوطنية، وتثمين التراث الثقافي.