الروائي المترجم محمد ساري لـ "المساء":
"حصّاد الرمال" لا فائدة تُرجى منه
- 988
لطيفة داريب
التقت "المساء" الروائي المترجم محمد ساري على هامش توقيعه روايته الجديدة "حصّاد الرمال" المنشورة عن دار "الحبر"، وأجرت معه هذا الحوار.
❊ لماذا اخترت موضوع المصالحة الوطنية تحديدا في عملك الجديد؟
❊❊ كتبت ثلاث روايات حول العشرية السوداء وهي "الورم"، و"حرب القبور" و"القلاع المتآكلة". وكتبت رواية "الغيث" حول صعود التيار الإسلاموي في الثمانينيات والأزمة الاقتصادية وإلى غير ذلك. أما عن هذه الرواية "حصّاد الرمال"، فأردت من خلالها النظر إلى ما بعد العشرية السوداء، وطبعا بما يسمى المصالحة الوطنية. وهنا لا أتكلم عنها كموضوع سياسي، بل أخذت عيّنة عنها، أعرف حالات كثيرة تخص المصالحة الوطنية إلا أنني أخذت عينة حول تائب استفاد من قانون الرحمة، الذي تحوّل إلى قانون المصالحة الوطنية، وعاد إلى قريته، حيث ترعرع، وعرف صعود الإسلاميين، وإلى غير ذلك، وكذا كيف استقبلته قريته.
هذه العودة، طبعا، لن تكون يسيرة، فقد يصاحبها شعور بتأنيب الضمير، وكذا الماضي اللصيق، الذي جعله في مواجهة صريحة مع بعض سكان قريته، وسيجد أيضا بعض الأصدقاء الذين تبنوا نفس القضية، وانسحبوا بعد انتشار العنف. طبعا في كل رواية ينبغي أن يكون صراع درامي وإلى ما غير ذلك، فهذا التائب يواجه رجلا قُتل ابنه العسكري في حاجز أمني مزيف حينما كان عائدا إلى البيت العائلي بعد استفادته من عطلة. وقد شاعت في تلك الفترة أخبار تفيد بأن الذين قاموا بهذه العملية الإرهابية، هي جماعة "التائب".
❊ هناك عقدتان للرواية، الأولى حول مواجهة التائب أبناء قريته خاصة عائلة العسكري المغتال، والثانية حول مواجهته عائلة صديقه في قضية اقتسام الغنائم، لماذا عقدتان لرواية واحدة؟
❊❊ نعم لأنني كنت سأنشر هذه الرواية في جزءين، لكنني غيّرت رأيي، ونشرتها في عمل واحد، لهذا ففي بداية روايتي هناك عقدة تتمثل في مواجهة التائب والد العسكري المغتال والمتعلقة بالماضي. أما في القسم الثاني للرواية فالعقدة حول رغبة التائب في اقتسام الغنيمة التي أوعدها عند أخي أحد رجالاته الذي قُتل من طرف قوات الجيش في الجبل، فبعد مواجهة التائب أفراد عائلة هذا المقتول، سيواجه السلطة أيضا.
❊ سيواجه التائب السجن، هل أراد ساري بهذه النهاية، تحقيق العدالة؟
❊❊ دائما تكون نهايات الروايات افتراضية. وفي روايتي هذه تعمّدت أن تكون النهاية شبه مفتوحة. وأثناء الكتابة فكرت في نهايات متعددة، مثلا في أن يُقتل وأن يُنتقم منه، لكنني تركت النهاية مفتوحة إلى أن تأخذ العدالة مجراها. واخترت أن يدخل التائب السجن، وهو بالنسبة لي رمز، لم أشأ أن أكتب مثل ما يحدث في الأفلام الأمريكية، أي أن يقتل أب العسكري أو صهره هذا التائب. وأعرف الكثير من التائبين تعرضوا للقتل من طرف أفراد عائلات قتلاهم، لكنني أردت أن يتحقق هذا الأثر عن طريق المؤسسات الرسمية وليس عن طريق الأفراد.
❊ هل تعتبر عمليات البيع بالتوقيع جسرا متينا بين الكاتب والقارئ؟
❊❊ عملية البيع بالتوقيع هي لقاء مباشر بين الكاتب والقارئ، هذا هو الأساس. الكاتب يعيش في عزلة، وحتى حينما يقتني القارئ رواية من أي مكتبة، فالكاتب لا يعرف من اقتنى الرواية، ومن قرأها. أما في الجلسات البيع بالتوقيع التي تُعتبر في الحقيقة، عادة أوروبية غربية مشهورة، فهناك لقاء مع الصحافة ومع القراء، حيث يتم معرفة مدى شعبية الكاتب، ومدى اهتمام القراء بالرواية، وأشياء كثيرة. لكن في الجزائر باستثناء الصالون الدولي للكتاب الذي تجلب فيه جلسات البيع بالتوقيع، القراء لأنهم يأتون من كل مناطق الجزائر، ففي بقية السنة لا يوجد إقبال كبير على هذه الجلسات في المكتبات، لأسباب متعددة.
❊ فيم يختلف النشر في الدول العربية عن النشر في الجزائر؟
❊❊ الناشر العربي يوصل روايتك إلى كل الأمكنة. المشكلة في الناشر الجزائري، الذي يوزع الكتاب في الجزائر فقط، ولا يشارك في معارض الكتب المنظمة خارجها، لهذا فالكاتب الجزائري يهاجر بكتبه إلى المشرق، هذا إذا كان يكتب باللغة العربية. ويفعل نفس الشيء بباريس إذا كان يكتب باللغة الفرنسية، بينما يُبقي الناشر الجزائري الكُتّاب، محصورين في الجزائر. وحينما يكتب الكاتب بالعربية يجد نفسه أمام جمهور عربي واسع، فلماذا لا يشارك الناشر الجزائري، على الأقل، في معارض الكتب بالدول العربية؟ بالمقابل، بالنسبة للنشر في حد ذاته، فهو نفسه، لأنه يعتمد على نفس التقنيات.
❊ عودة إلى روايتك "حصّاد الرمال"، إلامَ يعود اختيارك هذا العنوان؟
❊❊ كلمة حصّاد جاءت بصيغة المبالغة، نحن ماذا نحصد؟ الغلّة، لكن هل في الرمال غلّة؟ طبعا لا، هنا يتضح أن الحصّاد سلبي، أي لا فائدة تُرجى منه، وبالتالي مخطئ من يعتقد أن الغنائم التي تُكتسب من خلال العنف والترهيب والقمع، حصاد. أعرف الكثير من التائبين ممن اغتنوا بعد استفادتهم من قانون المصالحة الوطنية، ومنهم من تعرّض للقتل حتى أمام أطفاله بعد صراع شديد بينه وبين نظرائه حول الغنائم.