".. من الذاكرة الحضارية إلى الإبداع المعاصر"بمدرسة الفنون الجميلة

جدلية الأصالة والمعاصرة ضمن التحولات التقنية والمفاهيمية

جدلية الأصالة والمعاصرة ضمن التحولات التقنية والمفاهيمية
  • 186
 مريم . ن مريم . ن

ينظم مخبر البحث في جماليات الفنون البصرية، بالمدرسة العليا للفنون الجميلة في العاصمة، يومي 11 و12 ماي الجاري، ملتقى وطنيا بعنوان "جماليات التراث من الذاكرة الحضارية إلى الإبداع المعاصر"، لطرح إشكالية تفكيك العلاقة الجدلية القائمة بين مفهوم "الأصالة" المتجذر في الموروث البصري بكل طبقاته الدلالية، ومفهوم "المعاصرة" الذي تفرضه التحولات الجمالية والتقنية والمفاهيمية على الصعيد العالمي.

طرحت ديباجة الملتقى مسألة التراث البصري، الذي يشكل بشقيه المادي وغير المادي، نسقا سيميائيا عاليا، يتجذر في البنية الثقافية والحضارية للمجتمعات الإنسانية، إذ يتجاوز كونه مجرد أثر تاريخي أو شاهد أنثروبولوجي، ليرتقي إلى حاضنة الذاكرة البصرية الجماعية، التي تختزن الأنساق الفكرية والرمزية والتعبيرية المتعاقبة عبر الحقب. 

في السياق الجزائري تحديدا، تتجلى هذه الذاكرة عبر تراكمات بصرية بالغة الثراء والتنوع، تمتد من النقوش الصخرية في هضاب الطاسيلي ناجر، التي تعد من أقدم المظاهر الفنية المنقوشة في تاريخ البشرية، مرورا بالعمارة الإسلامية وفنون الزخرفة والمنمنمات والنسيج التقليدي، وصولا إلى التعبيرات التشكيلية الحديثة والمعاصرة.

إن هذا الموروث، كما جاء في نص الديباجة، لا يمثل فحسب شاهدا على العبقرية الفنية المحلية، بل يؤسس لمنظومة جمالية متكاملة، تعكس الرؤية البصرية الجزائرية في تفاعلها المستمر مع محيطها الجغرافي والتاريخي والإنساني. وتستوجب المقاربة الأكاديمية للفنون البصرية المعاصرة في الجزائر، بالضرورة، تفكيك العلاقة الجدلية القائمة بين مفهوم "الأصالة" المتجذر في الموروث البصري بكل طبقاته الدلالية، ومفهوم "المعاصرة" الذي تفرضه التحولات الجمالية والتقنية والمفاهيمية على الصعيد العالمي، فالتراث البصري الجزائري ـ كما تم التأكيد- لم يعد في الممارسة الفنية الراهنة مجرد موضوع للاستنساخ أو الحنين الرومانسي، بل تحول إلى حقل خصب للتجريب واستنطاق الجمال وإعادة التأويل، وقد أدرك رواد الحركة التشكيلية الجزائرية، أمثال محمد راسم في فن المنمنمات، ومحمد إسياخم في التعبيرية الدرامية، ومحمد خدة في التجريد الحروفي، وباية محي الدين في عوالمها اللونية، أهمية استلهام العلامة والرمز التراثيين، وإعادة تدويرهما ضمن قوالب حداثية، تتجاوز التقليدية السطحية، لتؤسس خطابا بصريا معاصرا، يحمل بصمة الهوية المحلية، ويحاور في الوقت نفسه، التيارات الفنية العالمية.

للإشارة، تتأكد راهنية هذا الملتقى الوطني في ظل العولمة الثقافية، التي تفرض هيمنة بصرية تهدد الخصوصيات المحلية، وتقصي التعبيرات التعبيرية، ومن هنا، يسعى هذا الفضاء الأكاديمي والفني، إلى إعادة قراءة الذات البصري الجزائري، وفق مقاربات نقدية وفاعلة ومفاهيمية حديثة، وتثمين دوره بوصفه حافزا لرهان الإبداع المعاصر، كما يهدف إلى فتح قنوات الحوار العلمي، بين الباحثين في حقول علم الجمال والنقد الفني وتاريخ الفن، والفنانين البصريين الممارسين، مساءلة آليات توظيف التراث في المنجز الفني المعاصر، واستكشاف كيفية مساهمة هذا التوظيف في صياغة هوية بصرية جزائرية متجددة، قادرة على الحضور والتأثير في المشهد الفني الإقليمي والدولي، دون أن تفقد جذورها الحضارية.

تطرح إشكالية الملتقى، كيفية تمكين الفنون البصرية الجزائرية المعاصرة، في أن تعيد تفكيك الشفرات الرمزية والمعالجة للذات البصري المحلي، وإعادة تركيبها ضمن أسس إبداعية حديثة، بما يساهم في بناء هوية بصرية جزائرية متجددة، قادرة على مقاومة الهيمنة الثقافية السائدة، في ظل التحولات التي تفرضها الوسائط التكنولوجية والرقمية الجديدة على أشكال الإنتاج الفني وآليات تلقيه.

أما الأهداف، فتسعى من خلال هذا الملتقى، إلى إبراز الأبعاد الجمالية للتراث الأثري والفني، وتعزيز البحث العلمي في مجال التراث وعلاقته بالفنون، وكذا تشجيع المقاربات متعددة التخصصات (آثار، فنون، أنثروبولوجيا، تاريخ. ..)، إلى جانب تثمين التراث الثقافي المادي وغير المادي، وإعادة الاعتبار له، واستكشاف سبل توظيف التراث في الإبداع الفني المعاصر، إضافة إلى المساهمة في ترسيخ الرؤية الثقافية والحضارية. 

بالنسبة للمحاور، فتخص "الإطار المفاهيمي لمجالات التراث الأثري والفني (المفاهيم، المصطلحات، المقاربات النظرية)"، و"التراث الأثري والفني كحامل للقيم الجمالية والتنمية الثقافية العمارة، الفسيفساء، النقوش، الحرف، الصناعات التقليدية، الزخرفة" و"التراث والإبداع المعاصر (استلهام التراث في الفنون الحديثة، التصميم، الفنون البصرية)، والمحور الرابع والأخير عن “حماية التراث وتثمينه (الآليات، والاستراتيجيات الثقافية، الرقمنة)".