ربيعة جلطي
تكتب الإنسان وتطارد عطر الحكاية
- 102
نوال جاوت
بين قارة الشعر وعوالم الرواية، تواصل الكاتبة الجزائرية ربيعة جلطي، بناء تجربتها الإبداعية، بعيدا عن الاستعجال والتكرار، مستندة إلى حساسية الشاعر وفضول الباحث، ومنشغلة بالإنسان في تناقضاته وأسئلته الوجودية. فالشعر، كما تؤكد، لا يغادر الشاعر، حتى وإن انصرف إلى الرواية، لأنه ليس مجرد ممارسة أدبية، بل نسيج داخلي يرافق صاحبه ويمنحه عينًا مختلفة لرؤية العالم.
وفي حديثها عن تجربتها الروائية، أول أمس الثلاثاء، بفضاء "بناف" في رواق "فلسطين" بصالون الجزائر الدولي للكتاب التاسع والعشرين، كشفت جلطي أن عملها الأخير "السرجم"، استغرق خمس سنوات من الاشتغال والبحث، بالنظر إلى تعدد طبقاته وتشابك مرجعياته، إذ انفتحت فيه على التاريخ والجغرافيا وعلم النفس والفنون، وجعلت من الإنسان محوره الأساسي.
ومن خلال استحضار أسطورة يأجوج ومأجوج، تطرح الرواية أسئلة تتجاوز الحكاية، إلى مساءلة الطبيعة البشرية، مستحضرة أوجه العنف والتوحش التي يمارسها الإنسان المعاصر، رغم ما بلغه من تطور علمي وتكنولوجي. وتضع القارئ أمام مفارقة لافتة: من الأشد تَوَحُّشًا، الكائنات التي يخشاها البشر، أم الإنسان الذي يخوض الحروب ويمارس قوته على الضعفاء؟.
ولا ينفصل هذا الانشغال بالإنسان عن اهتمامها المبكر بالذكاء الاصطناعي، الذي تجسد إبداعيًا في روايتها "الملاك الآلي"، المكتوبة سنة 2017، حيث منحت البطولة لروبوت أنثى، وفتحت من خلاله أسئلة الهوية والإحساس والعلاقة بين الإنسان والآلة. وترى جلطي أن الذكاء الاصطناعي يفرض تحديات فكرية وأخلاقية تستوجب الوعي، مع التشديد على ضرورة أن يظل العقل البشري مصدرا موجهًا لهذه التكنولوجيا، لا أن يتحول الإنسان إلى تابع لها.
أما في المشهد الأدبي، فلا تعترض على حق الجميع في الكتابة، لكنها تضع قيمة الإضافة في صدارة معايير الحكم على التجارب الإبداعية. وتعتبر أن التكرار من أخطر ما يهدد الكاتب، لأنه يقتل حيوية النص وجماله، لذلك تحرص على أن تكون كل رواية أو مجموعة شعرية مختلفة عما سبقها. كما ترفض إخضاع الكتابة لمواعيد النشر والجوائز ومعارض الكتب، مؤمنة بأن النص الجيد يحتاج إلى وقته، وأن أثره قد يتجاوز زمن صدوره ليظل حاضرًا في ذاكرة القارئ، مثل عطر لا يزول بانتهاء القراءة.
وتعود جذور هذه الحساسية، في جانب منها، إلى طفولة غنية بالقراءة والفنون، وإلى أثر والدها، أستاذ اللغتين العربية والفرنسية والمترجم القضائي، الذي فتح أمامها أبواب المعرفة، من خلال مكتبته وقراءاته، وشجعها على اكتشاف الكتابة مبكرًا. كما تستحضر دور جدتها في تكوين شخصيتها، إلى جانب تجاربها الأولى في الموسيقى والمسرح والفنون.
وفي الجانب الإنساني من تجربتها، تتوقف جلطي عند علاقتها بزوجها أمين الزاوي، التي تجمع بين الشراكة العاطفية والحوار الثقافي والإبداعي. فلكل منهما فضاؤه الخاص للكتابة، ولا يتبادلان قراءة أعمالهما إلا بعد اكتمالها، فيما تظل النقاشات حول الأدب والفلسفة والسياسة والتحولات العالمية، جزءًا من حياتهما اليومية. ومن ثمار هذه العلاقة، مشروع كتاب يضم رسائلهما المتبادلة منذ أن كانا في التاسعة عشرة من العمر، وهي مراسلات تختزن الحب والحنين والذكريات والاهتمامات الأدبية، وتستعد الكاتبة لجمعها من أماكن متفرقة، لتقديمها في عمل يستعيد مسار علاقة امتدت عبر السنوات.
وتأمل جلطي أن تحمل هذه الرسائل إلى الأجيال الجديدة، معنى الوفاء والصبر والتضحية، معتبرة أن الحياة الزوجية، مثل الشجرة، تحتاج إلى رعاية متبادلة وتهذيب مستمر، حتى تظل قادرة على النمو. كما تفتح تجربتها على سؤال الكتابة النسوية، وما تواجهه المرأة المبدعة من أعباء اجتماعية وعائلية، تضيق المساحة المتاحة للقراءة والتأمل والبحث، مؤكدة أهمية المساندة العائلية والمحيط الداعم لاستمرارها في الإبداع.
ورغم اتساع عوالم الرواية وانشغالاتها البحثية، لا تزال جلطي وفية للشعر، وتؤكد أن الشاعر يظل شاعرًا حتى حين يتوقف عن كتابة القصائد، وأن لديها نصوصًا تنتظر الجمع والنشر. وهكذا تظل الكتابة، في تجربتها، بحثًا متواصلًا عن الإنسان، ومقاومة للتكرار، وسعيًا إلى ترك أثر يشبه العطر الذي يحتفظ به القارئ طويلًا.