الفنانة وداد توات لـ"المساء":

تعليم الزخرفة.. حفاظ على تراث الأجداد

تعليم الزخرفة.. حفاظ على تراث الأجداد
الفنانة وداد توات
  • 209
لطيفة داريب لطيفة داريب

لم تحتفظ الفنانة وداد توات بمعرفتها العميقة بفن الزخرفة لنفسها، بل ابتغت تقاسم هذا الفيض من المعلومات مع أطفال وكبار أحبوا تعلم تقنيات الزخرفة، والدليل مشاركتهم في الورشة التي تنظمها تحت إشراف المتحف العمومي الوطني للزخرفة والمنمنمات، كل صبيحة الخميس إلى غاية منتصف أوت المقبل.

ذكرت الفنانة وداد توات في حديثها لـ"المساء"، دراستها فن الزخرفة على يدي الفنان المخضرم مصطفى أجاوت، قائلة إنها استفادت من خبرته لمدة أربع سنوات، وما تزال تلميذته في السنة الخامسة لهذا التكوين، الذي جعلها فنانة مزخرفة، تنظم معارض وتدير ورشات، ومن بينها الورشة التي تشرف عليها بمتحف الزخرفة والمنمنمات، كل صبيحة خميس، إلى غاية منتصف الشهر المقبل.

أضافت توات، أن ورشتها هذه حول الزخرفة على الخشب، يشارك فيها أطفال وبالغون لتعلم تقنيات هذا الفن وكذا التركيز والصبر، علاوة على الرغبة في الابتعاد عن الشاشات وحتى العلاج بالفن، وهي الورشة الثانية من نوعها، بعد تلك التي نظمتها الفنانة في عطلة الربيع الفائتة.

وخصصت الفنانة رسومات بسيطة للمبتدئين، وأخرى أكثر كثافة لمن لهم باع في الرسم، فطلبت من الذين لم يرسموا في حياتهم، نقل رسمة معينة بالورق الشفاف، كخطوة أولى، مثل أجزاء من زخرفة نباتية أو حيوانية، وكذا رسمة عن باخرة استنبطتها الفنانة من زليج قصر "مصطفى باشا"، مقر متحف الزخرفة، وكذا من رسوماته الجدارية. وذكرت الفنانة تعلم المتربصين لتقنيات التكرار والتناظر، ومن خلال تعودهم عليهما، يمكنهما في المستقبل إنجاز أعمال زخرفية كاملة على الخشب أو الخزف أو الزجاج أو القماش. وأضافت أنها طلبت من بعض المبتدئين رسم جزء من نبتة القرنفل، ومن خلال عمليات التكرار وتطبيق تقنية التناظر، سينتهي بهم الأمر إلى إنجاز زخرفة كاملة لقطعة من زليج جزائرية، بالإضافة إلى مساعدتهم في اختيار الألوان وطريقة استعمالها الصحيح.

وتابعت أن بداية الحصة، تكون عبر توضيح طريقة نقل الرسم على دعامة خشبية، وكيفية استعمال ورقة كربون بالطريقة الصحيحة، مشيرة إلى اعتمادها أيضا في هذه الورشة، على بعض من أعمالها، كانت قد قدمتها في المعرض الذي احتضنه قصر "مصطفى باشا"، في مارس الماضي، ممثلة في قطع زخرفية من الخزف.

تعتبر هذه الورشة، الحلقة الثانية للورشات الفنية الخاصة بالزخرفة، التي تنظمها وداد توات، بعد التي نظمتها في عطلة الربيع، مؤكدة أهمية تعليم هذا الفن التقليدي لمحبيه، والذي ورثناه من أجدادنا، الذين حافظوا عليه بكل قوة وإتقان، مثل الفنانين راسم وتمام وأجاوت حفظه الله، خاصة أمام الشغف الذي وجدته الفنانة للكثير من محبي فن الزخرفة، وهو ما لاحظته في مشاركة المتربصين في هذه الورشة. وتابعت أن تعليم فن الزخرفة، يتطلب إتقان التقنيات الخاصة بها، من خلال التكرار، وبالأخص حب هذا الفن الذي يدفع بممارسيه إلى مواصلة تعلمه بكل حب وشغف، كما أن الأخطاء التي يمارسها المبتدؤون، تتوقف عندها الأستاذة وتصححها، حتى يتفاداها المتربص في المستقبل.

للإشارة، يشارك في هذه الورشة الخاصة بفن الزخرفة، بالغون وأطفال استجابوا لنداء متحف الزخرفة والمنمنمات، ومنهم من يتابعون المسيرة الفنية للفنانة وداد توات، وكذا من حضروا معرضها الذي نظمته آنفا في نفس الفضاء، علما أن المشاركة في الورشة بالمجان، على أن يتم تحديد مبلغ رمزي للمشاركة في ورشات، ستنظم لاحقا، لتحفيز الأساتذة الذي يقدمون خبراتهم ووقتهم لشغوفي الفنون المختلفة.

بالمقابل، كشفت مشاركة في الورشة، واسمها مريم في حديثها لـ"المساء"، عن حبها للرسم، وهو ما دفعها للقدوم إلى الورشة لتعلم فن الزخرفة، مؤكدة مواصلتها على هذا الدرب بدون كلل. أما الطفلتان ماريا وصابين، فأكدتا حبهما للزخرفة، والدليل مشاركتهما في ورشتي وداد توات لمارس وجويلية 2026. كما وعدتا أنفسهما بعدم التوقف عن ممارسة الزخرفة، حتى في البيت، خاصة وأن هذا الفن علمهما التركيز وأراح أعينهما من النظر مطولا في الشاشات.

في إطار آخر، تُعد الزخرفة من أبرز عناصر التراث الفني في الجزائر، حيث ارتبطت بالعمارة الإسلامية منذ العصور الوسطى، وبلغت أوج ازدهارها في العهدين الحمادي والزياني. كما يُعتبر الزليج من أشهر فنون الزخرفة في الجزائر، وهو عبارة عن فسيفساء خزفية، تتكون من قطع صغيرة ملونة، تُقص وتُركب يدويا لتشكل تصاميم هندسية متناسقة.

يعود تاريخ الزليج في الجزائر إلى العصر الحمادي، حيث كشفت آثار قلعة بني حماد، عن استخدامه في تزيين المباني منذ القرن الحادي عشر الميلادي، ثم شهد هذا الفن ازدهارا كبيرا خلال الدولة الزيانية في مدينة تلمسان، التي أصبحت من أهم مراكز صناعة الزليج.

وتحرص الجزائر على صون هذا الموروث الثقافي، من خلال دعم الحرفيين وتنظيم ورشات التكوين والمعارض، كما أودعت وزارة الثقافة ملف "فن الزخرفة المعمارية بالزليج، خزف مينائي: المعارف والمهارات المرتبطة به" لدى منظمة "اليونسكو"، لإدراجه ضمن القائمة التمثيلية للتراث الثقافي غير المادي للبشرية، تأكيدا على القيمة التاريخية والفنية لهذا الفن العريق.