الناقد قاسم بن عاشور عن رواية "وطن تاء العبور":

تشريح للمجتمع الجزائري من أواخر الثمانينيات إلى ما بعد الحراك الشعبي

تشريح للمجتمع الجزائري من أواخر الثمانينيات إلى ما بعد الحراك الشعبي
  • 176
بوجمعة ذيب بوجمعة ذيب

اعتبر الناقد قاسم بن عاشور رواية "وطن تاء العبور"، للكاتبة والإعلامية وردة زرقين، أشبه بسِفْر اجتماعي وتوثيقي ممتد، بقدر ما هو يسرد حكاية عاطفية أسرية، فهو يسعى إلى تشريح التحولات العميقة التي عاشها المجتمع الجزائري، منذ أواخر الثمانينيات، إلى ما بعد الحراك الشعبي، عبر تداخل الخاص بالعام، والوجداني بالسياسي، والتراثي بالتاريخي. 

ويرى الناقد أن الوطن في رواية وردة زرقين، ليس مجرد خلفية للأحداث، بعد أن حولته الكاتبة إلى كائن حي يتألم ويحب وينكسر ويقاوم، لذلك جاء العنوان محملا بدلالات كثيفة، فـ«الوطن" جغرافيا، وذاكرة وهُوية ومصير، أما"تاء العبور" فهي تاء الأمومة والخصب والاحتواء والمرأة التي تحمل المجتمع فوق كتفيها، وتعبر به من الخراب إلى الأمل.  

يؤكد الناقد أن الروائية نجحت في جعل شخصية رفيقة البطلة محورا رمزيا للرواية كلها؛ فهي صورة للوطن الجريح الذي خذلته الأحلام وتنازعته الخيبات، ثم ظل رغم ذلك قادرا على الحب والعطاء، فرفيقة تعيش خيبة الحب مع علي الطبيب، ثم خيبة العقم، ثم خيبة الفقد (موت الزوج وحيد)، ثم خيبة المجتمع، لكنها لا تنهار نهائيا، فتعيد تشكيل ذاتها بالأمومة الرمزية من خلال تبني بسام، ومن هنا يقول الناقد، تبدو الرواية وكأنها تقول، إن الأمومة ليست رحمًا فقط، بل قدرة على الاحتضان الروحي والإنساني.  

ويضيف بأنه ومن أجمل ما يلفت في هذا العمل، أن الكاتبة نسجت المأساة الفردية على منوال المأساة الوطنية؛ فكلما اشتعلت البلاد سياسيا أو أمنيا، انعكس ذلك على مصائر الشخصيات (إسقاط فني جمالي) خيانة على لرفيقة جاءت متزامنة مع انكسارات الوطن، والحرب الأهلية تقاطعت مع الانهيارات النفسية للشخصيات، وكأن الجزائر نفسها كانت تمر بحالة تيه عاطفي ووجداني ويضيف، إن هذا الربط بين الخاص والعام منح الرواية بعدا فنيا جماليا عميقا، وجعل الأحداث السياسية قِوى فاعلة تُعيد تشكيل العلاقات الإنسانية، وقد بدا واضحا أن الكاتبة بذلت جهدا توثيقيا معتبرا؛ فهي حين تمر علی المحطات التاريخية، تستحضر انتفاضة أكتوبر 1988، والانفتاح السياسي، والعشرية السوداء، واغتيال محمد بوضياف، وصعود التيارات الإسلامية، ثم مرحلة عبد العزيز بوتفليقة، والحراك الشعبي، ضمن نسيج حكائي متص، لذا كما أوضح فالرواية هنا تؤدي وظيفة الذاكرة الجماعية؛ إذ تحفظ للأجيال صورة الجزائر وهي تتقلب بين الألم والأمل.  

وأشار الناقد، إلى أن الروائية أبدعت في توظيف البعد التراثي في الرواية كعنصر بنائي أساسي، فالكاتبة تستحضر الأعراس، والختان، والتويزة، والبوقالة، وفتل الكسكسي، والمالوف، والملحون، وأغاني الثورة، وزيارات الأولياء، والعادات الشعبية، وكأن لسان حالها يقول: إن المجتمع مهما تبدلت ظروفه، يبقى مشدودا إلى جذوره الثقافية، كما أنها أحسنت حين جعلت الصحراء الجزائرية فضاء جماليا وروحيا؛ فحديثها عن طاسيلي ناجر، والهقار، والسبيبة، والتوارق، والملكة تينهنان، منح الرواية بُعدا حضاريا يوثق لثراء الهُوية الجزائرية وتنوعها، ومن الرسائل العميقة التي تستبطنها الرواية، نقدها لبعض الظواهر الاجتماعية التي كانت تتحكم في مصائر الناس؛ مثل تسلط الأم على الابن في اختيار الزوجة، (أم علي الطبيب) وربط قيمة المرأة بقدرتها على الإنجاب، وانتشار السحر والشعوذة (نصيرة شقيقة وحيد) ونظرة المجتمع القاسية للعانس أو للعاقر، إضافة إلى هشاشة العلاقات الأسرية حين تتدخل الأطراف الخارجية في الحياة الزوجية.

وتطرح الرواية سؤال الهُوية والانتماء عبر شخصية بسام المتبنى، الذي يعيش قلق البحث عن الأصل، في إشارة إلى حاجة الإنسان لمعرفة جذوره مهما أحاطته المحبة، ولعل من أجمل ما في العمل أيضا، كما أوضح، أن الكاتبة بدهائها المتميز، جعلت التراث طاقة مقاومة تحفظ التوازن النفسي للمجتمع، فالأمثال الشعبية، واللغة الدارجة، والأغاني، والحكايات، كلها تحولت إلى ذاكرة جماعية تواجه الخراب والعنف، كما جاء حضور العامية موفقا في كثير من المواضع، لأنها منحت الشخصيات صدقها الواقعي وحرارتها الإنسانية، وإن كان الإسهاب فيها أحيانا يبطئ السرد ويثقل بعض الحوارات، أما لغة الرواية، فهي لغة سلسة آسرة، تمتلك خاصية السهل الممتنع، تنساب برشاقة وتقترب من وجدان القارئ دون تكلف. وبحسب الناقد، وُفقت الكاتبة في توظيف الحكمة الشعبية والأمثال بوصفها خزانا للوعي الجماعي، الأمر الذي أضفى على النص نكهة جزائرية أصيلة؛ غير أن بعض المقاطع التقريرية والإخبارية بدت أقرب إلى التسجيل التاريخي المباشر منها إلى التخييل الروائي، كما أن بعض الفقرات كان يمكن اختزالها، لأنها لا تؤثر فعليا في نمو الحدث أو تطور الشخصيات، ومع ذلك، فإن هذا لا يحجب القيمة الكبيرة للعمل، ولا الجهد الواضح الذي بذلته الروائية في بناء عالم متشعب يضم السياسة والحب والتراث والتاريخ والتحولات الاجتماعية، معتبرا في ذات السياق، أن رواية "وطن تاء العبور" التي تتوزع على 255 صفحة، تحاول أن تؤرخ للوجع الجزائري بلغة إنسانية دافئة، وأن تجعل من المرأة جسر عبور نحو الخلاص، ومن الذاكرة الشعبية حصنا ضد النسيان.