"في ذاكرة المكان" لبن ساسي برواق "محمد راسم"
ترحال إلى بلد الجمال على خطى الذاكرة
- 422
مريم. ن
يقترح الفنان هاني بن ساسي جديد أعماله على الجمهور، متفنّنًا في تقديم التراث الجزائري في أبهى صوره، مع لمسة إبداع توحي بالخبرة، والتمكّن، جعلت من معرضه المقام إلى غاية 13 أكتوبر الجاري برواق "محمد راسم" ، متحفًا للروائع التي تستحق التقدير، والتثمين والظهور؛ لأنّها خير دليل على تاريخ الجزائر القارة، وجمالها.
يحمل المعرض عنوان "في ذاكرة المكان.. رحلة بصرية بين التراث والطبيعة" . وقد استطاعت لوحاته ذات المستوى الفني العالي، أن تشدّ الجمهور المارّ أمام الرواق، ليدخل، ويطيل النظر والتجوال بين ما عُرض فيه.
لا يُقام المعرض بين ليلة وضحاها
استقبل الفنان بن ساسي "المساء"، مؤكّدًا أنه وقّع هذا المعرض بـ96 لوحة تشكيلية، مضيفًا: "هذا المعرض عبارة عن تكملة أو تجميع لما سبق أن قدّمته في معارضي السابقة، علمًا أنّ إقامة أيّ معرض لا تكون بين ليلة وضحاها، بل تتطلّب سنوات من البحث، والجهد والرسم، إضافة إلى أسفاري وتنقلاتي، التي أكتشف من خلالها الأماكن، وقد تطلّبت وقتًا أيضًا.
وبالتالي كلّما سافرت عبر الجزائر زاد اكتشافي. وجاءتني فكرة إقامة معارض أخرى". في السياق نفسه، أكّد الفنان أنّه كلّما حلّ بمنطقة للزيارة أو لحضور فعالية ثقافية (منها صالونات الفن التشكيلي)، خصّص لها لوحة أو أكثر، مسجّلًا فيها كلّ ما تحمله من خصوصية الأماكن، وعبق تراثها وطبيعتها. وذكر أنه غالبًا ما تُقام على هامش الفعاليات والصالونات جولات سياحية مؤطَّرة للمشاركين، يستفيد منها الجميع، فيقوم، بدوره، بالتقاط صور فوتوغرافية يصنّفها ضمن مجموعات. ثم يختار صورة أو أكثر، ويحوّلها إلى اللوحة المناسبة بتوقيعه، مع إضافة لمسته، وإحساسه الخاص.
الانطباعية ثم الانطباعية
أكّد الفنان بن ساسي أنّه لايزال مرتبطًا، بشكل وثيق، بالأسلوب الانطباعي؛ فهو يراه الأنسب للتراث، والطبيعة. وقد طلب من الجمهور ومن "المساء" في معرضه هذا، أن ينظر إلى اللوحة من مسافة معيّنة؛ كي تتّضح له التفاصيل، والألوان والأنوار أكثر، ليلتزم الجميع بذلك، فيتحقّق الانبهار.
كما أشار الفنان إلى أنّ الانطباعية معروفة بألوانها؛ كالوردي والبنفسجي مثلًا، وأنّ الضوء ينتج ألوانًا موجودة في الطبيعة قد لا يراها الإنسان العادي. لكنّ للفنان نظرَه، ونظرته أيضًا (وتوقّف عند ألوان الشروق التي تتجسّد مع إشراقة الشمس والضوء). وأوضح أنّ الأضواء والظلال كثيرًا ما تعكس ألوانًا قد لا تنتبه العين إليها، وبالتالي فإنّ هذا الأسلوب يركّز على اللون، والضوء، والظلّ أكثر من الرسم نفسه، وأنّ وجود الضوء يعني بالضرورة، وجود الظلّ. وهكذا فإنّ لوحة الفنان الانطباعي أكثر ثراءً بالألوان؛ لذلك أكّد أنّه من المهم للفنان دراسة اللون؛ لأنّه أساس اللوحة.
ذكريات الأماكن
بالنسبة للأماكن فهي كثيرة، وذات دلالات، منها تيميمون، والقصبة (قصر الداي، ووسط الدار، والحايك، وجلسات النسوة)، وكذلك الواحات، والطبيعة الغنّاء في الربيع التلمساني، والفانتازيا، مع الكثير من لوحات البحر التي جذبت الجمهور، ومنه بعض الفنانين الذين زاروا المعرض. وقال الفنان: "أحاول استرجاع الأماكن التي تمثّل ذاكرتنا. وأحيانًا أقفز على حالها في هذا الراهن، كما هو الشأن مع القصبة، لأصوّرها في أيام مجدها وعزّها، وهذا مقصود مني لأُحسِّس الجمهور وكلّ الناس بقيمة هذه الأماكن في تراثنا، وهويتنا".
وأثناء مرافقته "المساء" عبر أجنحة المعرض توقّف الفنان عند لوحات من الحجم الصغير والمتوسّط، منها لوحة لبساتين غنّاء سمّاها "طريق الورد"، رسمها بعد أن زار تلمسان في ربيع 2026. وكانت هناك أيضًا العديد من لوحات الورد، منها باقات، وأخرى بوردة واحدة، في أرقى وأجمل صورة، سواء في التشكيل، أو في اختيار الألوان، ومنها الأحمر، والبنفسجي، والوردي، والأبيض وغيرها، مع إطلالة خافتة للضوء، تنكشف معه أحيانًا قطرات الندى.
أما بالنسبة للوحات القصبة كلوحة قصر الداي، فقال الفنان إنّه استوحى بعض المعالم من فنّ المستشرقين الذين سحرهم تراثنا، لكنّه تفرّد ببصمته، وحضوره من خلال الشخصيات، وتفاصيل أخرى غائبة في لوحات المستشرقين؛ تجنّبًا للتكرار، وكي لا تكون أعماله طبق الأصل لأعمالهم. ومن الإضافات التي اعتمدها إسقاط الضوء على اللوحة؛ لإعطائها ديناميكية، ونوعًا من الدفء.
الصحراء بتجليات ألوانها الساخنة
أبدع الفنان في رسم الصحراء الجزائرية بكلّ تجلياتها، مبرزًا قدرة الخالق في صنعها، وتلوينها. فمن تيميمون اقترح لوحتين كبيرتين طغى عليهما اللون الأحمر، ليؤكّد لـ"المساء" أنّ اللون نفسه في هذه المنطقة الساحرة، قِبلة السياح للراحة والهدوء النفسي. وكذلك الحال مع الواحات عبر التلّ الصحراوي؛ من بسكرة، والأغواط وغيرهما حيث المياه العذبة، والبساتين المثمرة.
ويبقى الفنان مصرًّا على أن تكون لحظتا الشروق والغروب من ركائز معرضه، وهو ما تحقّق بوضوح في لوحة كبيرة بقلب المعرض، تصطفّ فيها الأمواج وراء بعضها رواحًا ومجيئًا في هدوء وتناغم. وخلف هذا البساط البحري الفاتن تستعد الشمس للرحيل بعيدًا. ورسم الفنان الطبيعة الميتة من زهور مجففة وغيرها، ليؤكد ضرورة أن يظل الفنان منتجًا وباحثًا، لا يتخلى عن ريشته وألوانه.