ملتقى “قراءات في المنجز الفكري لمالك بن نبي” بجامعة غليزان
تراث فكري وفلسفي لفهم تحوّلات الراهن
- 245
مريم. ن
تحتضن جامعة “أحمد بن بلة” بغليزان في الثاني ديسمبر 2026، ملتقى وطنيًا (حضوريًا وعن بعد)، بعنوان “قراءات في المنجز الفكري لمالك بن نبي؛ من أجل بعث مشروع حضاري إنساني متواصل ومتفتّح”، وتفعيل أفكاره، والبحث فيها، وتحسّس معانيها وتأويلها؛ بالوقوف على مدلولاتها التي ستساهم بلا شكّ، في تشخيص واقعنا المعاصر، واستنتاج السبل، والوسائل الكفيلة بتقديم الحلول المساعدة على الخروج من المأزق الحضاري، الذي نعيش تداعياته بكلّ ألم، وتخبّط.
يطرح الملتقى جهود الراحل مالك بن نبي، وأفكاره الجريئة التي تهدف إلى صياغة نظرية بناء حضاري يُخرج الأمّة من غياهب التخلّف الذي رانَ عليها بعد مسيرة حضارية، حافلة بالإنجازات والإبداع، وإعادة بعث هذه الأمّة بعد عدّة قرون من الانحطاط والتخلّف الذي عرّضها للاستدمار من القوى الغربية الاستعمارية، الساعية لإلغاء هويّتها، وطمس شخصيّتها، ووجودها.
وجاء في ديباجة الملتقى أنّه انطلاقًا من معتقده الديني الراسخ، رأى مالك بن نبي أنّ عناصر الحضارة لن تُجدي نفعًا إذا لم يكن الجامع بينها هو فكرة الوازع الديني، الذي يسيطر على روح الفرد، وحياة الأمّة، وبذلك يظلّ هذا العامل هو المتحكّم في سيرها التاريخي، وهذا ما يؤكّده مالك بقوله: “فالحضارة لا تنبعث إلّا بالعقيدة الدينية. والحضارة لا تظهر في أمّة من الأمم إلّا في صورة وحي يهبط من السماء، يكون للناس شرعةً ومنهاجًا؛ فكأنّما قُدِّر للإنسان ألّا تشرق عليه شمس الحضارة إلّا حيث يمتدّ نظره إلى ما وراء حياته الأرضية”.
حجّة زمانه في التنظير
يُعدّ مالك بن نبي (1905-1973) شخصية علمية وفكرية فريدة من نوعها، وحجّة زمانه في التنظير، ومن بين أهمّ المفكّرين في العالم الإسلامي خلال القرن العشرين. وقد جمعت أفكاره بين حرارة الإيمان وصفاء التأمّل العقلي الراشد، لا سيَما أنّ مالك بن نبي كان على حظّ وافر من علوم الإسلام النقلية والعقلية، وعلى دراية واسعة بتعاريج الفلسفة. وكان عميق الفهم لحركة التاريخ، وشديد الوعي بحقائقه وأحداثه، على نحو يجعله قادرًا على تلخيص تطوّر المجتمعات، وتحوّلات الدول، وخصائص الشعوب.
ورأى بن نبي أنّ الحضارة لا تستقرّ في مكان واحد من الأرض، كما لا تتمركز في رقعة جغرافية معيّنة أو عند شعب معيّن، بل تسير وتتحرّك من مكان لآخر، ومن شعب لآخر؛ “لأنّ الحضارة تسير كما تسير الشمس؛ فكأنّها تدور حول الأرض مشرقةً في أفق هذا الشعب، ثمّ متحوّلةً إلى أفق شعب آخر” ؛ ولذلك جاءت الحقائق التنظيرية في كتاباته نزّاعةً إلى البعث، والإحياء، وإلى إعادة النظر في مشكلات الحضارة والتفكير الإسلامي، وفق منهج يتعانق فيه العقل والنقل، ويصطحب فيه الرأي والشرع.
وجاء في الديباجة أيضًا أنّ مالك بن نبي استطاع أن يُخلّف وراءه مكتبة، وتراثًا فكريًا ثريًا، يحمل بين ثناياه مشروعًا حضاريا، استقطب معظم الجامعات، ومراكز البحث العربية والإسلامية والأوروبية، بل هناك الكثير من الدول اعتمدت نظرياته في بناء الفكر والحضارة والإنسان، بتعليمها للدارسين في الثانويات والجامعات.
ومن “الظاهرة القرآنية” (1946) إلى “شروط النهضة” (1948) إلى “وجهة العالم الإسلامي” (1954)، فـ"الفكرة الإفريقية الآسيوية” (1956)، إلى “النجدة... الشعب الجزائري يُباد”، فـ"فكرة الكومنولث الإسلامي” (1958)، فـ"مشكلة الثقافة” (1959)، و"الصراع الفكري في البلاد المستعمَرة” (1959) إلى “مذكّرات شاهد على القرن” (1965)، ثمّ “الإسلام والديمقراطية”، و"مشكلة الأفكار في العالم الإسلامي”، إلى غيره من الإنتاج العلمي الذي أثرى به الفكر الإنساني عامّة، والإسلامي خاصّة.
تحذير من التخلّف والجهل
في كلّ ذلك ظلّ الرجل يحذّر من التخلّف والجهل، داعيًا إلى أن يكون الفرد مثقّفًا ومتحضّرًا في مجتمع يتّصف بالعلم والمعرفة، ولذلك جاء مشروعه الحضاري الفكري والنقدي، بمثابة مؤشّر يحيل نحو الطموح لبناء غد مشرق، يؤسّس لعقول ذوات متحضّرة، تؤمن بالعلم، وفكرة بناء حضارة العقل المتميّزة.
ورأى بن نبي أنّ جوهر أيّ أمّة يكمن في مشكلة الحضارة، التي لا تتحقّق إلّا بتوفّر عناصر ثلاثة هي “الإنسان، والتراب، والوقت”، حيث يُعدّ الإنسان العنصر الفعّال في معادلته لبناء الحضارة، التي يبدأ مشروعها من الإيمان بعالم الأفكار، ثمّ عالم الأشخاص، ثمّ عالم الأشياء، داعيًا في الآن ذاته، إلى حوار حضاري؛ باعتباره ظاهرة إنسانية تميّز المجتمعات البشرية، ولأنّه كمفهوم وسلوك بات يفرض نفسه بحكم الاختلاف والتباين بين الشعوب، ولدحض نبوءة هنتنغتون والمستشرقين المعادين للإسلام والعرب على حدّ سواء، الداعين إلى إقامة قطيعة معهم، وجعلهم العدوّ الأوّل والأخير المناهض لتطلّعاتهم المستقبلية، والحائل دون تحقيق أهدافهم.
وأمام هذا الزخم الفكري والفلسفي الذي تركه الرجل، يؤكّد منظّمو الملتقى: “كان لزامًا علينا أكثر من أيّ وقت مضى وفي ظلّ التغيّرات الاستراتيجية العالمية وإبادة إخواننا في غزّة برعاية القوى الاستدمارية المتحالفة مع الصهيونية العالمية وفقدان العالم العربي الإسلامي لريادته الحضارية بعدما أصابه التشتّت بفعل تآمر الأعداء والمتربّصين، وجب علينا إعادة قراءة عميقة لمؤلَّفات هذا الرجل الفذّ، وتفعيل أفكاره، والبحث فيها، وتحسّس معانيها، وتأويلها بالوقوف على مدلولاتها، التي ستساهم، بلا شكّ، في تشخيص واقعنا المعاصر، واستنتاج السبل والوسائل الكفيلة بتقديم الحلول المساعدة على الخروج من المأزق الحضاري الذي نعيش تداعياته بكلّ ألم وتخبّط “.
للإشارة، يسعى هذا المؤتمر العلمي إلى إتاحة الفرصة أمام الأساتذة والباحثين والمهتمّين، لفتح باب المناقشة حول المشروع الفكري والحضاري الإسلامي كما يتصوّره مالك بن نبي، وكيفية الاستفادة منه، والاعتماد عليه، وتبنّيه في بناء الإنسان العربي المسلم المتحضّر.
وتتمثّل أهداف المؤتمر في التعريف بفكر مالك بن نبي، ومكانته، ودوره الريادي في خدمة قضايا الأمّة والإنسانية، واعتبار ذلك شاهدًا على رقيِّ مواطَنته، ووفائه لمبادئه العلمية والإنسانية. ولفت الانتباه إلى أهمية التراث الفكري لمالك بن نبي، وتثمينه، وضرورة تفعيله، والترويج له؛ باعتباره جزءًا من هويّتنا، وذاكرتنا وتاريخنا. كما يهدف إلى البحث في مصادر الفكر الجزائري والعربي الإسلامي، ورصد أهمّ معطياته وطروحاته، وتبيان شهاداته الدالّة على عمقه وثرائه، وبالتالي إفادة الناشئة به؛ خدمةً لتراثنا، وهويّتنا، وخدمة الجامعة الجزائرية في مجال الفكر والدراسات الحضارية، مع استثمار فكر مالك بن نبي في نظرية الحوار الحضاري، القائم على التواصل، والانفتاح مع المسيحية واليهودية، والردّ على المستشرقين المناوئين للحضارة الإسلامية وتطوّر العالم الإسلامي. ويهدف أيضًا إلى استثمار فكر مالك بن نبي في النظرية الحضارية - الاقتصادية والتنموية، التي يكون فيها للحرفي والمعلّم والتاجر والمرأة دور في نهضة المجتمع العربي والإسلامي، في ارتباط بالنسق الحضاري العالمي المعاصر.