محمد عتبي بالمتحف الوطني للفنون الجميلة

تجليات الثقافة الصوفية في الفن والتراث

تجليات الثقافة الصوفية في الفن والتراث
الباحث محمد عتبي
  • 123
مريم. ن مريم. ن

استقبلت مكتبة المتحف الوطني للفنون الجميلة بالعاصمة، أول أمس، الباحث محمد عتبي، لتقديم محاضرته "التحليق خلال العوالم، أو الوظيفة الكونية للإنسان الكامل"، تمحورت حول أدوات التأويل الخاصة بالتعليم العرفاني والدراسات المتعلقة بالفلسفة الإسلامية.

المحاضرة من تنظيم المتحف العمومي الوطني للفن الحديث والمعاصر، ضمن فعاليات معرض "مسالك الارتقاء" للفنان التشكيلي رشيد قريشي، الذي يحتضنه المتحف الوطني للفنون الجميلة منذ 7 ماي الجاري، ويتواصل إلى غاية 30 جوان المقبل، في إطار برنامج شهر التراث.

افتتح المتحدث اللقاء بقراءة آيات من الذكر الحكيم، ثم شرع في شرح الوظيفة الكونية للإنسان وكيفية ارتباط التراث الروحي بالهوية الحضارية، مع طرح فلسفي وعرفاني عميق يلامس الجوانب الميتافيزيقية (الماورائيات) والجمالية. وتوقف مطولا عند مفهوم الإنسان الكامل ووظيفته الكونية، وهو مفهوم يشكل جوهر أبحاثه الأخيرة حول الهوية والحضارة.

نوه المتحدث بمستوى معرض رشيد قريشي، الذي ضمن أعماله تكريما لأعلام الفلسفة والفكر الصوفي، على غرار ابن عربي وجلال الدين الرومي ورابعة العدوية وأحمد العلاوي وغيرهم، معتبرا أن رشيد قريشي تجاوز الإطار الفني الصرف إلى عمق الصوفية، كونه مطلعا جيدا على المخطوطات والرسائل وكتب العلوم والآداب الصوفية، التي تتناول الرموز وعلم الإشارات.

واصل المحاضر حديثه عن قريشي، الذي تناول في معرضه شخصيات صوفية، أو كما يسمون عندنا بالأولياء، وسماها هو "الأساتذة الخفيون" الذي نال بفضلها جائزة جميل بمتحف فيكتوريا وألبرت بلندن. وقال إن الأولياء يرون ما لا يراه غيرهم، نظرا لزهدهم وصلاحهم وقربهم من الله، وأعطى نماذج عن قدرة الصالحين والأنبياء على رؤية عوالم أخرى، من ذلك ما حدث مع امرأة كانت تنزعج من إقبال الضيوف، لكن عندما اصطحبهم الرسول عليه الصلاة والسلام، أراها كيف تخرج العقارب والزواحف من بيتها عندما يغادرون بيتها، وذلك تطهير له، وعندما رأت ما لم تكن ترى رضيت وسلمت.

ثقافة تستحق أن تورث للأجيال

أشار المتحدث، إلى أن هذه الخوارق والكرامات والفتوحات لا تدرس في مدارسنا، عكس ثقافات أخرى، تثمن معتقداتها وتغرسها في الأجيال، ومن ثمة فإن تجاهل هذه القيم تجعل الأجيال تستهزئ بها مستقبلا، وتعتبرها خرافة لا طائل منها.

ذكر المحاضر أيضا، بعض الأماكن والأزمنة التي تحمل في ذاتها القدسية، وهو ما أثبته القرآن الكريم، من ذلك المسجد الأقصى المبارك، والوادي المقدس طوى، وكذلك المساجد والخلوات وغيرها، في حين أن أمكنة أخرى تفتقد البركة، وتم التحذير من الإقامة فيها "ديار الذين ظلموا أنفسهم"، لأن بها طاقة غضب الله، أما الأزمنة المباركة، فمنها الأشهر الحرم، وفي وقت الزحف (الجهاد) وحين سقوط المطر وفي الولادة وغيرها، وفيها تتعزز الروابط مع الخالق عز وجل.

الرموز كتعبير صوفي

تطرق محمد عتبي أيضا، إلى علاقة التصوف بالعلامات والرموز والترقيم  والحروف والشعر وتأويلاتها، وهي ركن هام في الفن الإسلامي، منه الجزائري مع قريشي مثلا، وقبله تمام وخدة، وهي تجسيد للهوية والثقافة، كما ذكر بالمناسبة، الراحل عمر راسم، الذي كان حزابا حنفيا بمسجد في القصبة، يرتل القرآن العظيم، وكان الحزابون مثله يلتقون قبيل صلاة الجمعة لقراءة القرآن بلحن أندلسي منتشر في حواضر الجزائر، وكانت في هذا اليوم تكثر الصلاة على سيد المرسلين، وكل هذه القيم الروحية تجسدت في أعمال راسم.

تجليات الأسماء الحسنى في الكون والخلق

عن أسماء الله الحسنى، فهي تجليات لصفات الخالق، تدعو للتخلق والتفكر والتفاعل، أما قريشي فقد أعطاها أيضا بعدا فنيا بألوان مستمدة من الكشوفات الصوفية ومن الفتوحات المكية لابن العربي، حين تخترق الأنوار البلور، وأن الملكوت هو الحقيقة النورانية، كما أشار إلى أن هذا الفهم يرتكز على علم أسماء الله الحسنى، حيث يتجلى كل اسم إلهي في الكون والخلق، ليصبح العالم مجموعة من الرموز والإشارات الدالة على الحضور الإلهي.

بالمناسبة، انتقد المحاضر الغرب، الذي يرى أنه الوحيد الذي كان ضحية في الحربين العالميتين، بينما نسي ما اقترفه من جرائم أثناء تاريخه الاستعماري، وكيف جعل من بني البشر عبيدا، ليتشدق بعدها بالحرية والعدالة، ليخلص الأستاذ عتبي إلى أن الفن التقليدي الأصيل هو الذي يبرز هذه الخصوصيات الثقافية، وهذه الروحانيات الجليلة الحاضرة في مجالس الدين والصالحين هو الأرقى، مثمنا فن رشيد قريشي المعتمد على اللمسة العصرية، لكن باحترام القيم عكس غيره ممن يقلبها ويكتفي بتقليد الغير.

للإشارة، محمد عتبي من مواليد 1963 بالعاصمة، حقوقي التكوين وناشط ثقافي وفكري، يعمل كاتبا وباحثا ومشرفا على مجموعات منشورات مكتبة الفلسفة والتصوف. كما يشغل منصب مقدم الزاوية البودلمية العلوية بباب جديد في قصبة الجزائر، إضافة إلى كونه أمينا لمؤسسة محمد تمام المختصة بحفظ وترقية الفنون الإسلامية، وتتركز أعماله على الفكر الإسلامي والجماليات والتراث الروحي، ومن أبرز مؤلفاته "الأشهر القمرية والتقويم الإسلامي"، بالاشتراك مع الفيزيائيين الفلكيين نضال قسوم وكمال مزيان، "في علم الجمال: دفاع من أجل جمالية اجتماعية" ودراسة حول ابن عربي، كما كتب العديد من المقالات المنشورة في الصحافة الجزائرية.