ندوة "العـلاقات الجزائرية - التونسيـة.. الذاكرة والتاريخ المشـترك"
تثمين الإرث المشترك لمواجهة تحديات الراهن
- 163
مريم. ن
أسهب المشاركون في ندوة "الجزائر وتونس: ذاكرة ومشترك ثقافي" في سرد الماضي المشترك بين البلدين منذ آلاف السنين، ما ولّد تاريخاً حضارياً ونضالياً ممتداً عبر الأجيال، يستحق اليوم التوثيق والبحث والاستغلال من أجل توطيد هذا المشترك لمواجهة تحديات الراهن.
استعرض المتدخّل التونسي المؤرّخ الدكتور عميرة، صفحات من التاريخ المشترك بين البلدين، متوقّفاً عند مناسبة الفاتح نوفمبر، ومهنّئاً بها الشعبين، ومؤكّداً أنّ نوفمبر لا يعني الجزائريين وحدهم، بل هو فخر لكلّ شعوب المنطقة. وتحدّث المتدخّل عن أهمية التاريخ في صنع الوعي الجمعي، مستحضراً نماذج من الكفاح المشترك بين تونس والجزائر، ومن ذلك الجمعية الجزائرية التونسية لتحرير شمال إفريقيا عام 1919، ثم نجم شمال إفريقيا، وصولاً إلى مكتب المغرب العربي بالقاهرة سنة 1947، ثم لجنة الوحدة والعمل عام 1952.
وتناول المتدخّل أيضاً بعضاً من أسماء المناضلين والمثقفين الجزائريين الذين ساهموا في النضال ضدّ المستعمر الفرنسي في تونس، وكذا في تأسيس المشهد الثقافي والسياسي فيها، منهم عبد العزيز الثعالبي، وأحمد توفيق المدني العضو بحزب الدستور، ومفدي زكريا، وحسن القلاتي مؤسّس الحزب الإصلاحي، ناهيك عن تأسيس أوّل نقابة في إفريقيا بتونس مع الجزائري احسن النوري، ليصل إلى المقاومة المسلحة حتى تحرير تونس، ثم دعم المقاومين التونسيين للثوّار في الجزائر، وعلى رأسهم الطاهر الأسود الذي قال "لا أترك السلاح والجزائر مستعمرة"، كما رفض المناضلون التونسيون توقيع اتفاقية الاستقلال ما دامت الجزائر محتلة. وتناول المتدخل جرائم فرنسا في حقّ الشعبين، منها مجزرة ساقية سيدي يوسف، وكذا المحتشدات، ومعاقبة الشعب التونسي بالحرائق لمساندته الجزائريين.
من جانبها، تناولت الدكتورة التونسية فاطمة لخضر المشترك الثقافي بين الشعبين منذ العصور القديمة، فذكرت أنّ أوغسطين ابن الجزائر تكوّن في قرطاج، وأنّ ليوغرطة موقعة حربية بتونس لا يزال لها نصب تذكاري هو "طاولة يوغرطة"، وهناك ابن خلدون الذي ألّف بالجزائر، والشاعرة المعروفة ذات الأصل الجزائري التي لها جائزة وطنية بتونس، وهي زبيدة بشير، والوزيرة أمينة الصرارفي، وأحلام مستغانمي التي وُلدت بتونس على يد توحيدة بن شيخ، التي تُعدّ أول طبيبة تونسية سُجّلت صورتها على العملة التونسية، وغيرهم كثير. كما طافت المتدخلة عبر فترات تاريخية كثيرة، بيّنت فيها دور بلدان شمال إفريقيا في تحضّر الغرب، هذا الأخير الذي استولى على الثروات والذاكرة والآثار. وعادت الدكتورة فاطمة لخضر إلى فترة الاحتلال الفرنسي للجزائر وما كان فيه من فظائع، مقدّمةً نماذج من التقدّم والازدهار الذي كان على هذه الأرض ودمّرته فرنسا، ثم تدّعي أنّ الجزائر لم تكن شيئاً يُذكر.
أما الإعلامي الجزائري المقيم بتونس، فتوقّف عند التشابه أو شبه التطابق، كما أسماه، بين الثقافتين الجزائرية والتونسية، ومنها احتفالات يناير التي تقام في منطقة مطماطة مثلاً في 14 يناير، وكذلك الحال في أمور أخرى كثيرة. واستحضر أيضاً بعض الأسماء الجزائرية التي عاشت بتونس، منها مفدي زكريا الذي كتب النشيد الرسمي للنادي الرياضي الإفريقي التونسي، العريق في الرياضة وفي النضال ضد الاستعمار، ثم زبيدة بشير رائدة الكتابة النسوية بتونس، وأصولها من قمار بالوادي، التي ملأ صوتها الأرجاء واشتغلت في الإذاعة، وعندما زارها بورقيبة قال لها "يا ترى من بعدي هل يقال عاش بورقيبة في زمن زبيدة أم العكس؟" فردّت "يُعرف سيف الدولة الحمداني اليوم بالمتنبي". وتناول المتحدّث أيضاً القوافل الطلابية الجزائرية إلى الزيتونة، ذاكراً بالمناسبة أنّه شرع في تصوير وثائقي بعنوان "تونسيون من أجل الجزائر" تكريماً لمن ساندوا الجزائر عبر تاريخ نضالها الوطني والثوري.
واختُتم اللقاء مع الدكتور مصطفى الرافعي من جامعة مستغانم، الذي تطرّق إلى التصوّف والزوايا ودورها في تمتين الأخوة بين الشعبين، مستحضراً دور زاوية سيدي البشير الزواوي بتونس ذات الأصل الجزائري، التي استقبلت الجزائريين منذ الفترة العثمانية، ثم بعد احتلال الجزائر، وكان أغلب الوافدين من بجاية، عُرفوا بأمانتهم فتقلّدوا منصب العساكر للدفاع عن تونس، وعُرفت الزاوية بتيسير الزواج، فعُرف بالزواج البجاوي. كما تحدّث المتدخل عن زاوية سيدي امحمد، والزاوية التيجانية المعروفة بعلمائها ونخبها السياسية، وكانت تستقبل حجاج الجزائر، ثم الزاوية العلوية التي لها أتباعها في تونس، واستقبلت الجزائريين الفارّين من ويلات المستعمر، داعياً إلى استثمار هذا التراث في تقارب البلدين.