الجزائر تعزّز حماية تراثها الثقافي

تأسيس مهرجان دولي للراي وآخر إفريقي-متوسطي للفكر

تأسيس مهرجان دولي للراي وآخر إفريقي-متوسطي للفكر
  • 271
دليلة مالك دليلة مالك

خطت الجزائر خطوة جديدة في مسار تثمين موروثها الثقافي والفني والفكري، بإصدار قرارين مهمين في العدد 53 من الجريدة الرسمية الصادر بتاريخ 23 جويلية 2026، يقضيان بإنشاء المهرجان الدولي للراي بوهران والمهرجان الدولي السنوي الإفريقي-المتوسطي للفكر، في مبادرة تعكس توجّها نحو ترسيخ مكانة الجزائر كفضاء للإبداع وحاضنة لذاكرتها الحضارية.

يأتي استحداث المهرجان الدولي للراي استجابة لمطلب ظلّ يطرحه فنانون ومثقّفون لسنوات، بالنظر إلى المكانة التاريخية التي يحتّلها هذا الفن في الوجدان الجزائري، حيث تعدّ الجزائر، لاسيما منطقة الغرب الجزائري، مهد موسيقى الراي التي تحوّلت من تعبير شعبي محلي إلى لون موسيقي عالمي.

ويكتسي القرار بعدا ثقافيا واستراتيجيا، في ظلّ محاولات متكرّرة لنسب هذا التراث إلى جهات أخرى، إذ يشكّل المهرجان، إلى جانب المهرجان الوطني للراي بسيدي بلعباس، آلية جديدة لتعزيز حماية هذا الموروث والتعريف بأصوله التاريخية، من خلال استقطاب الفنانين والباحثين والجمهور من مختلف أنحاء العالم. ولا يقتصر الرهان على تنظيم تظاهرة فنية، بل يمتدّ إلى تثبيت الذاكرة الثقافية الجزائرية وإبراز مساهمة هذا الفن في تشكيل الهوية الموسيقية للبلاد، مع فتح فضاءات للتبادل الثقافي والإبداعي بين مختلف المدارس الفنية. في السياق نفسه، حمل العدد نفسه من الجريدة الرسمية قرار إنشاء المهرجان الدولي السنوي الإفريقي-المتوسطي للفكر، الذي سيكون تظاهرة متنقّلة بين ولايات الوطن، بما يتيح توسيع دائرة الاستفادة من فعالياته وإشراك مختلف الفضاءات الجامعية والثقافية في النقاش الفكري.

وجاء هذا القرار تتويجا للنجاح الذي حقّقته الدورة الأولى من اللقاءات الإفريقية المتوسطية للفكر، التي احتضنها المركز الدولي للمؤتمرات "عبد اللطيف رحال" بالجزائر العاصمة، تحت شعار "أغسطين، تجلٍّ جزائري، إفريقي ومتوسطي"، في تظاهرة رعتها رئاسة الجمهورية واحتفت بإرث الفيلسوف والقديس أوغسطينوس، أحد أبرز الشخصيات الفكرية التي ارتبطت بتاريخ الجزائر.

وشهدت تلك اللقاءات مشاركة واسعة لأكاديميين ومفكرين وباحثين من بلدان إفريقية ومتوسطية، ناقشوا أبعاد الفكر الأغسطيني وتأثيره في الفلسفة واللاهوت والإنسانيات، في حوار علمي عكس قدرة الجزائر على احتضان النقاشات الفكرية الكبرى وبناء جسور التواصل بين الثقافات. ويحمل تحويل هذه المبادرة إلى مهرجان دولي سنوي رسالة تتجاوز الطابع الأكاديمي، إذ يعكس إيمانا بأهمية الثقافة والفكر في تعزيز الحوار بين الشعوب، وترسيخ قيم التعايش والانفتاح، مع جعل الولايات الجزائرية فضاءات للنقاش والإبداع، بدل حصر الفعاليات في العاصمة.