دحو جربال يقرأ “مذكرات بن طوبال”
تأريخ لتساؤلات الأجيال وإنصاف لرجال الثورة
- 992
مريم . ن
استعرض المؤرخ المعروف دحو جربال، أول أمس، بعضا من تفاصيل كتابه “مذكرات لخضر بن طوبال”، موضحا أنه تجاوز إطار التأريخ الكلاسيكي لثورتنا، وعبر إلى عمق الوقائع والأحداث التي رمت بظلالها على عقود قادمة، عاشتها جزائر ما قبل وما بعد الاستقلال، مؤكدا على أن التفصيل في البحث والسؤال، من شأنه أن يجيب على تساؤلات أجيال المستقبل .
نشط الندوة الإعلامي نور الدين عزوز، الذي استعرض الرواج الكبير للجزء الأول من مذكرات بن طوبال، وكيف أن تلك الطبعة التي صدرت منذ شهور، مختلفة عما سبقها من كتابات.
أشار البروفيسور جربال، إلى أن الكتاب في جزئه الثاني، يتزامن والذكرى 60 للاستقلال، كما عبر عن سعادته لمشاركته في معرض الكتاب الذي أقصي منه في دورة 2017، مؤكدا أنه لم يتوقف عن البحث وجمع الشهادات والتأريخ للثورة، وأبدى عرفانه بأساتذته محفوظ قداش ومحمد حربي، اللذين أثرا في جيله لـ30 سنة، كذلك الحال مع الشهداء والمجاهدين الذين صنعوا هذا التاريخ، وجعلونا فخورين بجزائريتنا. واعتبر جربال أن إحياء الذاكرة لا يقتصر على الأعياد والمناسبات الوطنية، التي غالبا ما تخمد الذاكرة في اليوم الموالي للاحتفال وتنتهي، بل هي بحث مستمر وحضور دائم وفهم حقيقي للتاريخ على أرض الواقع، بعيدا عن الشعارات الجوفاء.
توقف دحو جربال عند مناسبة 19 مارس، وقال إنها انتصار تام ولحظة فارقة في التاريخ المعاصر، جعلت شعبا أعزل ينتصر على قوة استعمارية ضاربة، تملك في الجزائر 400 ألف جندي، و200 ألف منخرط من حركى ومخازنية ومعمرين وغيرهم، وهذا الانتصار كان فريدا في العالم، يتجاوز الذاكرة إلى البحث والتأريخ بعلم ومنهجية.
قال جربال، إنه تحصل على الدكتوراه من فرنسا سنة 1979، ومباشرة بعدها شهدت الجزائر عدة متغيرات، ابتداء من رحيل بومدين إلى الربيع الأمازيغي، وأحداث أكتوبر، ثم العشرية السوداء، مما تطلب العودة إلى صناع تاريخنا وتسجيل شهاداتهم، لتبقى مرجعا للأجيال وتسد بعض الفراغات والتساؤلات المبهمة في تاريخنا، لتظهر الثمار اليوم بنشر الكتب، علما أنه اجتهد في إقناع بن طوبال بالشهادة رفقة زميله المجاهد محفوظ بنون، وأضاف “قام هؤلاء الأبطال بالثورة باسم الشعب، وباسمه أيضا، عليهم تقديم شهادتهم للأجيال، كما أن بيان 1 نوفمبر، أشار إلى أن الشعب وحده بإمكانه محاكمة المناضلين والثوار”.
كما أكد المحاضر، أن من قرأ الجزء الأول من الكتاب، لاحظ بصمة مؤرخ وليس صحفي محاور، أي عكس ما كان مألوفا، فالمؤرخ يفهم المناضل ويتتبع مساره ومن أين جاء وخرج، وكيف وصلت شلة من المناضلين من الحركة الوطنية والمنظمة الخاصة لعمق الجزائر وجندتها ضد فرنسا. وقال “اختلف عن أساتذتي المؤرخين الذين كتبوا عن الثورة والحركة الوطنية، حيث كتبت في إطار محيط خاص بظروف النضال، مما أثار لهفة القراء، كما أننا وقفنا على الفراغات والمراوغات في المراجع، وهو ما نتج عنه تساؤلات ما بعد الاستقلال، ولم تكن لها إجابات شافية (تصفيات، عقوبات، أزمات، قرارات، تصحيح أثناء الثورة)، بالتالي حاولنا الإجابة على تلك التساؤلات، والرجوع حتى زمن الحركة الوطنية وتياراتها”.
تحدث الكاتب عن ظروف التسجيل مع الراحل بن طوبال، وكيف أن مذكراته انتظرها حتى رفقاء السلاح، لتجيب عن بعض تساؤلاتهم وعن بعض التفاصيل، كما استعرض جربال مشروع الحركة الوطنية والثورة العابر للاستقلال التام، إلى تكوين الدولة والشخصية الوطنية الجزائرية، وهي المبادئ التي ظلت راسخة في المنعطفات التاريخية المتعاقبة.
استعرض الكاتب بعض الأحداث الهامة في الثورة وفي حياة بن طوبال، وعلى رأسها أحداث 20 أوت 1955، التي كلفت الجزائريين نفس الثمن الذي دفعوه في أحداث 8 ماي 1945، حيث بطشت فرنسا وقضت على الأخضر واليابس، وفيه طلب زيغود انخراط الشعب والمواجهة، كما التحم في هذا التاريخ الشعب مع الثوار، وظهر “جيش التحرير” الذي لجأ إليه الشعب ليحميه ويؤطره.
من جهة أخرى، أكد جربال أن الخلافات التي حصلت بعد الاستقلال، كانت بذورها موجودة إبان الثورة، مثلما حدث مع بن طوبال الذي حمل على الأعناق في قسنطينة بعد الاستقلال، وفي ذات الليلة، اعتقل من طرف أحد مساعديه في الثورة، لكن تبقى تلك الظروف خاصة، لا تعني “الخيانة” بقدر ما تعني “اختلاف الرؤى”.
تطرق جربال أيضا إلى التضييق الذي ضُرب على وفد إيفيان المفاوض من طرف الأشقاء العرب، لاسيما المغرب وتونس ومصر، والخاص أساسا بمسألة الحدود والمعمرين، ومدى حنكة المفاوض الجزائري وفطنته، رغم قلة الخبرة والتكوين، وكان السر هو أن تلك النخبة خرجت من رحم الشعب، ولم تعنيها المغانم ولا القمم الشاهقة التي غالبا ما تسكنها النخب، وهذه التفاصيل كلها بين دفتي الجزء الثاني.