نوادي السينما في الجزائر

بين صناعة الذائقة ومواجهة التحديات

بين صناعة الذائقة ومواجهة التحديات
  • 169
آية توازي آية توازي

تزامناً مع فعاليات أيام الفيلم القصير، شهد متحف السينما الجزائرية “سينيماتيك”، أوّل أمس، فعاليات الندوة الموسومة بـ«نوادي السينما وتكوين الذائقة السينمائية” لبحث دور هذه الفضاءات في تقريب السينما من الجمهور وتطوير حسّه الفني.

تمحورت الندوة حول تساؤل أساسي بشأن دور نوادي السينما في الرهان الثقافي وتأثيرها على الجمهور، وتضمنّت أشغال هذه الندوة عدّة مداخلات قيّمة استهلتها الدكتورة فاطمة ديابي الأستاذة بجامعة بومرداس ومختصة في الدراسات الثقافية والسينما التاريخية والبيوغرافية، حيث أشارت في مداخلتها إلى أنّ إنشاء الأندية السينمائية الجامعية في بومرداس، جاء بهدف دمج الجانب النظري بالتطبيق الميداني عبر ورشات عمل متخصّصة في الأزياء، المونتاج، والإخراج، مبيّنة أنّ هذه الأندية تتميّز بانفتاحها على مختلف التخصّصات العلمية والأدبية لتحقيق تكامل المعارف، وتجاوز الحدود المحلية نحو السينما العالمية بمدارسها المختلفة لإثراء رصيد الطلبة ومعرفتهم التقنية والفنية. 

كما أضافت المتحدّثة قائلة إنّ أهداف التكوين السينمائي تتمثّل في توسيع الأفق الثقافي والنقد والتربية وربط الأفلام بتخصّصات الطلبة، فضلاً عن تعزيز ثقافة الحوار وتقبّل الآخر وتوظيف النظريات النقدية في تحليل الأعمال، مؤكّدة أنّ دور القاعات والتعاون الميداني يتجسّد في ربط الجامعة بالجمهور عبر القاعات الجهوية لعرض الكلاسيكيات، إلى جانب استضافة وتكريم المخرجين في لقاءات مباشرة لعمق الفهم الفني.

في السياق نفسه، جاءت مداخلة لونيس يعو رئيس جمعية “نوميديا فنون ثقافية” بقسنطينة، الذي أوضح خلال عرضه أنّ مدينة قسنطينة تحتفظ بريادة تاريخية باعتبارها أوّل مدينة، احتضنت مهرجاناً سينمائياً في الجزائر المستقلة خلال سنوات 1983 و1984 و1985، مشيراً إلى أنّ الجهود المخلصة ساهمت في الحفاظ على قاعتي سينما فقط من أصل تسع، أبرزها قاعة السينماتيك التي فتحها سعيد مخفية.

وبصفته رئيساً للجمعية التي تأسّست منذ 24 سنة والناطق الرسمي باسم بانوراما السينما، أضاف المتدخّل أنّ الجمعية تضمّ ثلاث لجان نشطة تتمثّل في لجنة السينما التي تدير “سيني كلوب الهيدنا” منذ 2013 وتنظّم تكوينات وإقامات سينمائية، ولجنة المسرح لتقديم تكوينات الإخراج والسينوغرافيا، ولجنة الأدب المعنية بلقاءات “المقاهي الأدبية”، مختتمًا تدخّله بالإعلان عن التحضير للطبعة الخامسة لأيام السينما “سينما الذاكرة” المرتقبة في أكتوبر المقبل بشعار “سينما الهواة..الذاكرة الأخرى للسينما الجزائرية”، مع عرض فيلم خاص عن الشهيد حملاوي.

وتواصلت أشغال الندوة مع مداخلة فؤاد مخالفية، ممثل نادي سينما “عمار العسكري”، الذي سلّط الضوء من خلالها على مسار نوادي السينما وعروضها المتنوّعة المتضامنة مع القضية الفلسطينية، مؤكّداً أنّ الخط الأساسي لهذه النوادي ارتبط تاريخياً بمقاومة الاستعمار كما تجلى في أعمال المخرج عمار العسكري ونوادي باب الواد الأولى، مشيراً إلى أنّ نشاطها لم يقتصر على حرب التحرير فحسب، بل امتدّ لمعالجة مختلف القضايا الاجتماعية والاقتصادية كالبطالة وحقوق الإنسان، وصولاً إلى الأزمات التي شهدتها الجزائر خلال حقبة التسعينيات وما قبلها. 

وأوضح المتحدّث أنّ دور المُنشّط السينمائي يختلف عن الإدارة في رسم خطّ واضح مع الجمهور والتركيز على مضمون الفيلم وموضوعه قبل عرضه سواء كان نفسياً أو اجتماعياً بهدف خلق مساحة حوارية تتيح للمشاهدين التعبير الحرّ عن انشغالاتهم، مضيفاً وجود تكامل وثيق بين السينما والفنون المختلفة كالمسرح، الشعر، والفنون التشكيلية، مشدّدا في ختام حديثه على أنّ دور المنسّق أساسي لضمان خط واضح، وأنّ العبرة الحقيقية تكمن دائماً في العمق والإتقان الفني للعمل السينمائي بغض النظر عن مدّته.

إلى جانب هذه المداخلات، شهدت الندوة تقديم آراء هامة حول واقع السينما، حيث أكّد يعو لـ “المساء” أنّ نوادي السينما ليست مجرّد تجمعات للنخبة، بل هي فضاءات مهمة لحفظ الذاكرة السينمائية وجمع الناس ضدّ الاستهلاك الفردي للأفلام عبر الإنترنت، وأوضح أنّ سبب غياب الجمهور عن قاعات السينما يعود إلى ضعف الإعلان والدعاية، ومنافسة المنصات الرقمية، ونقص الثقافة السينمائية لدى الشباب اليوم، مشيراً إلى أنّ المشهد الثقافي يعاني من قلة النقّاد المتخصّصين والمهتمين حقاً بالمتابعة الجادة، مشدّدا على أنّ الحلّ لصناعة متفرّج واع يبدأ من المدرسة بتعليم الأطفال حب الفن والحوار والحرية، ليتحوّل المشاهد من شخص يتابع فيلماً للعابر فقط إلى إنسان مفكر وواعٍ.

من جانبها، أشارت الدكتورة فاطمة ديابي لـ«المساء” إلى أنّ منصات البث الرقمي لا تُعدّ مُدمِّرة لنوادي السينما، بل هي أداة مساعدة تفيد النوادي في الأرشيف واختيار الأفلام، وتساعد في التعرّف على أعمال الشباب كالأسئلة والأفلام القصيرة، مع التأكيد على أهمية متابعتها نظراً للتطوّر التكنولوجي، وضرورة مشاهدة الأفلام القديمة بصيغتها الأصلية، أضافت قائلة إنّ نوادي السينما تواجه تحديات حقيقية بسبب نقص الدعم المالي وغياب الإمكانيات في ظلّ العصر الرقمي، ورغم هذا الشحّ إلاّ أنّها قادرة على الصمود والاستمرار بالتكيّف مع العصر لأنّ طريقة تفاعل الأجيال الجديدة مع السينما قد اختلفت.

في الختام، اقترحت فاطمة ديابي اللجوء لحلول مبتكرة واستغلال اتفاقيات التعاون المشتركة بين وزارتي التعليم العالي والثقافة، وداعية نوادي السينما والجمعيات إلى تسجيل نفسها داخل حاضنات الأعمال الجامعية أو الخاصة لضمان بقائها وتوفير الدعم اللازم لها.