‘’المساء" تكشف عن رزنامة المهرجانات الثقافية 2026
بين تحديات التوقيت والتنسيق وجدوى الأثر
- 139
نوال جاوت
❊ عودة "ديما جاز"... مهرجان القناوة ببشار وتيمقاد بباتنة
❊ تركيز واضح على فصل الصيف باعتباره الذروة الفنية
❊ تتابُع سريع وتداخُل في المواعيد قد يؤثر على توزيع الجمهور والفنانين، والتغطية الإعلامية
تكشف رزنامة المهرجانات الثقافية لسنة 2026 التي تنفرد "المساء" بنشرها، عن حركية لافتة تمتدّ على مدار العام، تعكس سعيًا واضحًا لتنشيط الساحة الفنية، وتكريس حضور الثقافة في مختلف ولايات الوطن، خاصة مع عودة عدد من المهرجانات الموسيقية الكبرى بعد سنوات من التوقّف أو التذبذب، في مؤشر على استعادة المشهد الثقافي لعافيته تدريجيًا. غير أنّ هذه الديناميكية التي تنطلق فعليًا مع نهاية شهر فيفري، لا يمكن قراءتها فقط من زاوية الكثافة والثراء، بل تستدعي أيضًا مقاربة نقدية، تطرح أسئلة جوهرية حول توزيع الزمن الثقافي، ومستوى التنسيق، ومدى تحقيق الأثر الفعلي لهذه التظاهرات.
في هذا السياق، يبدو التحدي الحقيقي، اليوم، لا يكمن في برمجة مزيد من المهرجانات بقدر ما يتمثّل في إعادة التفكير في كيفية توزيعها، وتكاملها، وربطها بمشاريع ثقافية مستدامة تتجاوز الطابع المناسباتي، بما يسمح بالانتقال من منطق "الأجندة المزدحمة" إلى منطق "المشروع الثقافي المتكامل"، حيث تُقاس الثقافة بقدرتها على إحداث أثر فعلي ودائم في المجتمع.
فعليًا، تعكس الرزنامة نشاطًا مكثّفًا يمتدّ عبر مختلف أشهر السنة، حيث تتوالى التظاهرات بوتيرة متصاعدة منذ نهاية فيفري، لتبلغ ذروتها خلال الربيع والصيف، قبل أن تتراجع نسبيًا مع نهاية السنة. غير أنّ هذه الحيوية الظاهرة تخفي في طيّاتها، إشكالات تتعلّق بتداخل الفترات الزمنية، وضعف التنسيق، وهيمنة المقاربة الإدارية على حساب الرؤية الثقافية. وتبرز سنة 2026 بعودة لافتة لعدد من المهرجانات الموسيقية الكبرى، في مؤشر واضح على استعادة الحركية الفنية تدريجيًا، وإعادة بعث تظاهرات شكّلت لعقود واجهة ثقافية وسياحية للبلاد.
ومن بين أبرز هذه المواعيد المهرجان الوطني للعيساوة بقسنطينة (28 جوان – 2 جويلية)، والمهرجان الدولي لتيمقاد بباتنة (4 – 10 جويلية)، والمهرجان الوطني للموسيقى الحالية بتيبازة (6 – 10 أوت)، والمهرجان الدولي لموسيقى القناوة ببشار (24 – 28 سبتمبر)، والمهرجان الدولي لموسيقى الجاز "ديما جاز" بقسنطينة (10 – 15 ديسمبر)، مقابل تسجيل غياب مهرجان جميلة العربي عن الرزنامة. ولا تقتصر هذه العودة على استئناف النشاط فحسب، بل تعكس توجّهًا لإعادة الاعتبار للموسيقى بمختلف أنماطها؛ من الكلاسيكي إلى الشعبي، والراي، والأندلسي، ضمن برمجة زمنية تمتد عبر السنة، مع تركيز واضح على فصل الصيف؛ باعتباره فترة ذروة النشاطات الفنية.
ومع دخول شهر أفريل تبدأ الرزنامة في الانتقال تدريجيًا نحو التظاهرات ذات البعد الوطني والدولي، خاصة في مجالي السينما والموسيقى، حيث يُلاحَظ نوع من الانسجام في البرمجة، وغياب التداخلات الزمنية البارزة، وهو ما يسمح لكلّ تظاهرة بأن تحظى بنصيبها من الاهتمام الإعلامي والجماهيري. غير أنّ هذا التوازن سرعان ما يتلاشى مع حلول شهر ماي، الذي يشكّل نقطة الذروة الأولى في السنة الثقافية.
وضمن هذا المنحى يبرز المهرجان الثقافي الدولي للموسيقى السيمفونية بالجزائر العاصمة (30 أفريل – 9 ماي) كأحد أهم التظاهرات التي حافظت على استمراريتها، مؤكّدًا انفتاح الجزائر على الموسيقى العالمية الراقية. كما يشهد شهر ماي عودة المهرجان الثقافي الوطني للموسيقى والأغنية الحضرية بعنابة (16 – 20 ماي)، الذي يعيد الروح إلى فضاءات احتضنت التجارب الموسيقية الحديثة، ويفتح المجال أمام الفنانين الشباب.
غير أنّ هذا التنوّع الموسيقي رغم أهميته، يتقاطع مع إشكالية التداخل الزمني، خاصة خلال شهر ماي، الذي يشكّل أولى نقاط الذروة في السنة الثقافية؛ إذ تتكثّف خلاله التظاهرات بشكل لافت بداية بمهرجان أدب وسينما المرأة (2 – 6 ماي)، ثم مهرجان "إيمدغاسن" السينمائي (5 – 11 ماي) في تداخل واضح، لتتواصل الفعاليات مع مهرجان السماع الصوفي (13 – 18 ماي)، ثم مهرجان الموسيقى الحضرية، قبل أن يُختتم الشهر بمهرجان الإنشاد (21 – 25 ماي). هذا التتابع السريع والتداخل في المواعيد يحوّل شهر ماي إلى فترة مكتظة، تتنافس فيها التظاهرات بدل أن تتكامل؛ ما ينعكس سلبًا على حجم المتابعة والترويج الإعلامي، ويشتّت الجمهور والفاعلين الثقافيين.
أما شهر جوان فيحمل، بدوره، مؤشرات على عودة الأنماط التراثية، من خلال مهرجانات الموسيقى الشاوية والأندلسية "الصنعة" . وهي تظاهرات حافظت على الذاكرة الموسيقية الجزائرية رغم فترات التوقف التي أثّرت على استمراريتها.
وتبلغ الحركية الثقافية ذروتها خلال فصل الصيف، حيث تستعيد الجزائر أبرز مهرجاناتها الجماهيرية، على غرار مهرجان تيمقاد الدولي، و«الصيف الموسيقي" بالجزائر العاصمة (جويلية – أوت)، ومهرجان أغنية الراي بوهران، إلى جانب المهرجان الدولي لموسيقى الجنوب، الذي يعكس ثراء الإيقاعات الصحراوية. كما تسجّل هذه الفترة عودة مهرجانات محلية متخصّصة، مثل مهرجان الموسيقى القبائلية، ومهرجان الحوزي، ومهرجان الأغنية "العروبي" بالبليدة، التي تضطلع بدور أساسي في الحفاظ على الخصوصيات الجهوية.
غير أنّ هذا "الاكتظاظ الثقافي" خلال شهري جويلية وأوت رغم كونه مؤشرًا على حيوية المشهد الفني، يطرح تحديات تتعلّق بتوزيع الجمهور والفنانين في ظلّ تداخل المواعيد.
وبالمقابل، تعرف الفترة الممتدة من شهر سبتمبر إلى ديسمبر تراجعًا نسبيًا في وتيرة النشاط، حيث تقتصر البرمجة على مهرجانات متفرقة في مجالات المسرح والأدب، دون أن تبلغ نفس مستوى الكثافة المسجّل في النصف الأوّل من السنة، وهو ما يطرح تساؤلات حول غياب توازن حقيقي في توزيع التظاهرات على مدار العام.
أما خلال شهر أكتوبر فتشير الرزنامة إلى برمجة تظاهرات ثقافية متفرقة، يغلب عليها الطابع الأدبي والمسرحي، إلى جانب بعض المواعيد ذات البعد التراثي، وذلك في سياق زمني أقل كثافة مقارنة بذروة النشاط المسجلة في فصلي الربيع والصيف. هذا "الهدوء النسبي" يمنح، من حيث المبدأ، فرصة لهذه الفعاليات كي تحظى بمتابعة أفضل إعلاميًا، وجماهيريًا، غير أنّه يطرح في المقابل، تساؤلات حول سبب عدم استثمار هذه الفترة بشكل أوسع، لتحقيق توازن سنوي في توزيع النشاط الثقافي. كما يكشف هذا التراجع عن غياب تصوّر زمني متكامل، حيث يبدو أكتوبر كمرحلة انتقالية أكثر منه محطة ثقافية قائمة بذاتها، وهو ما يعكس استمرار هيمنة المنطق المناسباتي المرتبط بفترات الذروة بدل بناء ديناميكية ثقافية مستقرة على مدار السنة.
وبالتوازي مع ذلك، تفرض التعليمات التنظيمية المصاحبة لهذه الرزنامة، جملة من الإجراءات، من بينها الالتزام بالتواريخ المحددة، وإعداد تقارير مالية وأدبية خلال 30 يومًا، وتنظيم اجتماعات تقييمية في أجل 60 يومًا، إلى جانب تعزيز الترويج الإعلامي، والبحث عن تمويلات إضافية. ورغم أهمية هذه التدابير في ضبط العمل إلا أنّ تركيزها على الجانب الإداري يبرز على حساب الرؤية الثقافية في ظل غياب مؤشرات دقيقة لقياس الأثر الفعلي.
وبذلك تكشف رزنامة 2026 عن مفارقة واضحة، وفرة في عدد التظاهرات مقابل محدودية في التنسيق، وضعف في الأثر المستدام. فالتداخل الزمني خاصة في ماي وجوان والضغط الكبير خلال الصيف، مقابل الفراغ النسبي في نهاية السنة، كلها مؤشرات، تعكس غياب إدارة استراتيجية للزمن الثقافي، وتطرح الحاجة إلى إعادة هيكلة شاملة، تجعل من الثقافة مشروعًا متكاملاً لا مجرد سلسلة مواعيد متلاحقة.