ندوة "آليات تعزيز الحفاظ على الذاكرة الوطنية"
بناء الوعي لفهم الراهن وقراءة المستقبل
- 168
مريم. ن
أحيت المكتبة العمومية للمطالعة الرئيسية لولاية الجزائر، الذكرى الـ81 لمجازر الثامن ماي 1945، من خلال تنظيم ندوة تاريخية عن " آليات تعزيز الحفاظ على الذاكرة الوطنية"، نشّطها الأستاذان مزيان سعيدي وعلال بيتور، استعرضا فيها أهمية هذه المحطة التاريخية الفاصلة، التي أدّت إلى ثورة التحرير، واسترجاع السيادة الوطنية.
أكّد البروفيسور مزيان سعيدي في بداية تدخّله، على أهمية تحديد وتصحيح المصطلحات؛ فـ"8 ماي 45" كان يسمى أحيانا بالأحداث. والشهداء الذين سقطوا فيه لا يتعدون 45 ألف شهيد، بينما الحقيقة أنّ هذا التاريخ ارتُكبت فيه مجازر، وضحاياه بلغ عددهم مائة ألف شهيد أو يزيدون.
مجازر امتداد لجرائم فرنسا في الجزائر
قال المتحدّث إنّ جرائم فرنسا لم تتوقّف منذ دخولها الجزائر، مستعرضا الكثير منها التي جرت بتخطيط وتنفيذ من جنرالات فرنسا وحكامها وحتى نخبها (أعطى مثالا عن الكاردينال لافيجري). كما أضاف أنّ مجازر الثامن ماي 1945 محطة مفصلية، ونقطة لا رجوع نحو الانفجار المسلّح. فبعد هذه المجازر بسنتين فقط تمّ تأسيس المنظمة الخاصة التي خططت لثورة نوفمبر 54. وتوقّف المتحدّث عند أهمية التاريخ والذاكرة في زرع الوعي، وفهم المجريات، وهو الأمر الذي تنبه له قادة الثورة، فكانت نخبة "لوس" (منهم الراحل بن بولعيد) حين تقوم بتدريب أعضائها المنضمين وتزوّدهم بهذه المعارف التاريخية منها تاريخ الثورات كالثورة الإيرلندية والبولشفية وغزوات الرسول صلى الله عليه وسلم، وتقف عند أسباب فشل الثورات الشعبية في الجزائر وغيرها. وأضاف البروفيسور سعيدي أنّ من نتائج هذا التاريخ المؤلم توحيد النخبة السياسية في الجزائر، واقتناعها بأنّ النهج الثوري المسلح هو الخيار الوحيد للحرية، وأن الشعب هو القاعدة التي تقوم عليها الثورة.
ديغول أعطى الضوء الأخضر للتنفيذ
تساءل المتحدّث عن المتسبّب في هذه الجرائم. وأجاب سريعا بأنّه شارل ديغول الذي أعطى الضوء الأخضر لارتكاب ما جرى. فلقد طلب من الحاكم العام في الجزائر ماتينيون، أنّ يبيد الجزائريين عن آخرهم، مع الاستعانة بالقنّاصة السينغاليين، ليسهب المتحدّث في استعراض الجرائم منذ الفاتح ماي 45 وحتى منتصف جوان؛ من ذلك الجرائم البشعة من تقتيل وذبح وإحراق الجزائريين في أفران الجير، والقصف بالمدفعية كما جرى بخراطة وسطيف وقالمة، التي كانت وحدها تضم 44 مشتة، وكلّ واحدة منها بها 100 نسمة؛ ما خلّف مئات الشهداء، ناهيك عن جرائم أخرى ارتُكبت في مناطق متعدّدة من الجزائر.
وذكر البروفيسور سعيدي أنّ ميليشيات المستوطنين ارتكبت المجازر أيضا، وهي التي تأسّست وتسلّحت في الأربعينيات؛ تحضيرا لأيّ تمرّد قد يقوم به الجزائريون. وبالمناسبة، ثمّن المتحدّث قرار رئيس الجمهورية جعل هذا التاريخ يوما للذاكرة دون غيره من الأيام؛ كونه بدأ وانتهى بالدم، وكان محطة لتجسيد المشروع الثوري الوطني. كما أشار إلى أنّ الكتابات التاريخية عندنا مهتم بها في الخارج، من ذلك الجامعات الأمريكية، داعيا إلى الاهتمام بتاريخ الحاضر، الذي لايزال تخصصا شبه غائب عندنا.
الذاكرة بناء لوعي الأجيال
بدوره، تناول البروفيسور علال بيتور الفرق بين الذاكرة والتاريخ، مؤكّدا أنّ كليهما موجود في حضارتنا الإسلامية، حسبما جاء في القرآن الكريم، منها "وذكِّرهم بأيام الله". والمقصود هنا هم عامة الناس؛ أي الذاكرة. أما: "لقد كان في قصصهم عبرة لأولي الألباب"؛ فالمقصود هنا الباحثون، والعلماء المشتغلون بالتاريخ، والعارفون به، موضّحا أنّ التاريخ هو الامتثال للدقّة، والبحث المنهجي. أما الذاكرة فتعني الوقوف على الانتصارات، والمنجزات، وتوصيلها للناس والأجيال؛ لتزرع فيهم حب الانتماء، والفخر بماضيهم، والوعي بالمقاومة؛ لاستعادة الحقوق، والتحرك نحو الرشد، والفهم، ودحر سردية المستعمر، وبالتالي رأى أنّ مراحل الانكسار لا تدخل ضمن الذاكرة، عكس البحث العلمي داخل الأكاديميات والجامعات، الذي يستعرض كلّ التفاصيل، بما فيها من نصر، وهزيمة، وسلبيات يحلّلها جمهور المؤرّخين وبعض أهل السياسة.
ونبّه المتحدّث إلى أهمية وخطورة دور الإعلام والفن في مجال ترسيخ الذاكرة، مع دعوة لوجوب إشراك المؤرّخين؛ لتصحيح ما يقدَّم؛ حتى لا تكون هناك كوارث لا يمكن تصحيحها. وأثناء المناقشة سألت "المساء" المحاضرَين عن حرب الذاكرة اليوم، فردّا بأنّ الآخر الفرنسي هو من أشعل فتيلها خاصة عبر المنابر الإعلامية، وعبر ما ينتَج من أفلام وأشرطة وغيرها؛ ما يستوجب منا ضرب الحديد بالحديد.
أما في ما يتعلق بسؤال "المساء" عن تغييب السلبيات والهزائم وغيرها في الذاكرة لتخليصها من الشوائب؛ هل يكون خطرا موقوتا فردّا بأنّ ذلك ليس تحريفا ولا تغييبا، بل يجب أن يثار الجانب السلبي في الذاكرة بأسلوب واقعي مقنع، يغلق الجدل المشكّك والمحبط تماما، كما فعل الشافعي حينما سئل عن الفتنة الكبرى بين سيدنا علي ومعاوية.
وكذلك اليوم حينما يتم التشكيك في قادة الثورة، فيكون الردّ بعرض إنجازاتهم وتضحياتهم، وحتى بعض هفواتهم؛ لأنّهم بشر، بمراعاة سياق الإجابة لتكون أدق. واتّفق المحاضران على أنّ التاريخ كالسلاح؛ لا يُعطى لعامة الناس. أما الذاكرة فهي جزء من التاريخ. وفي ختام الندوة دُعي للمنصة الأستاذ عبد الله عثامنية، الذي قدّم شهادته عن مجازر 8 ماي التي زادت المستعمر بشاعة. كما وقف عند تفاصيل المسيرات التي كان هدفها الاحتفال بنهاية الحرب العالمية الثانية، ودور الراحل عباس فرحات فيها.