"الخلدونية" تحتفي بمئوية "شعراء الجزائر في العصر الحاضر"

بسكرة تستعيد ريادة الزاهري

بسكرة تستعيد ريادة الزاهري
  • 215
نور الدين العابد نور الدين العابد

احتفت الساحة الثقافية ببسكرة، بمرور مئة عام على صدور الجزء الأول من كتاب "شعراء الجزائر في العصر الحاضر"، للشيخ والأديب محمد الهادي السنوسي الزاهري، في مناسبة أعادت إلى الواجهة، عملا توثيقيا بارزا في تاريخ الأدب الجزائري الحديث، وسلطت الضوء على الجهد الذي بذله صاحبه، لجمع نتاج الشعراء والتعريف بأعلامهم في مرحلة الاستعمار الفرنسي.

جاء هذا الاحتفاء، في إطار ندوة علمية، نظمتها جمعية "الخلدونية"، بمشاركة أساتذة وباحثين، توقفوا عند القيمة الأدبية والتاريخية للكتاب، وما يمثله من إسهام مبكر في حفظ الذاكرة الشعرية الجزائرية، وتسجيل أسماء وتجارب إبداعية، أسهمت في إثراء الحياة الثقافية الوطنية.

في مداخلته، أكد الأستاذ حمزة منصور جودي، أستاذ بكلية الآداب واللغات بجامعة بسكرة، أن الكتاب يستحق وقفات علمية متعددة، بالنظر إلى أهميته البحثية والتوثيقية، وإلى الجهد الذي بذله السنوسي في جمع المادة الشعرية والتواصل مع الشعراء. كما أشار إلى أن صدور الجزء الأول في تونس سنة 1926، يبرز الصعوبات التي واجهت النشر داخل الجزائر آنذاك، في ظل الظروف التي فرضها الاستعمار الفرنسي.

من جهته، أوضح فوزي مصمودي، أن الاحتفاء بالمئوية، انطلق من بسكرة، بمبادرة من الجمعية "الخلدونية"، سعيًا إلى إبراز إسهامات منطقة الزيبان في الحياة الثقافية والأدبية الجزائرية، والتعريف بالأعلام الذين أسهموا في صون الهوية الوطنية. ويأتي هذا المسعى، كما عكسته مداخلات الندوة، ضمن جهود استعادة الذاكرة الثقافية المحلية، وربط الأجيال الجديدة بتراثها الأدبي.

أما الأستاذ الدكتور عبد القادر رحيم، فتناول خصوصية الجزء الثاني من الكتاب، معتبرا إياه مختارات شعرية جزائرية ذات قيمة، يمكن مقاربتها في سياق جهود جمع الشعر وتصنيفه في التراث العربي، مثل “المفضليات” و«الأصمعيات”. وأعرب عن أمله في أن يحظى هذا العمل بالمكانة التي يستحقها في البحث الجامعي والمكتبة الجزائرية، بوصفه وثيقة تكشف جانبًا من الحياة الأدبية في مرحلة تاريخية دقيقة.

بدوره، أبرز الأستاذ الدكتور سليم كرم، أستاذ الأدب العربي بجامعة بسكرة، الطابع التوثيقي الواسع للكتاب، الذي لا يقتصر على جمع القصائد، بل يتضمن أيضا، تراجم للشعراء وإشارات إلى نتاجهم، بما يمنحه أهمية أدبية وتاريخية. ورأى أن إنجاز عمل من هذا النوع في ظروف الاستعمار، يمثل جهدا ثقافيا لافتا، أسهم في تثبيت حضور الشعر الجزائري وتوثيق أسماء مبدعيه.

وحسب المعلومات المقدمة خلال الندوة، صدر الجزء الأول من الكتاب في تونس، سنة 1926، وضم أحد عشر شاعرا، من بينهم مفدي زكريا ومحمد العيد آل خليفة وأبو اليقظان. أما الجزء الثاني، فصدر سنة 1927، وضم عشرة شعراء، من بينهم مولود الزريبي والطيب العقبي. وتشير المعطيات المعروضة، إلى أن الجزأين تضمنا واحدا وعشرين اسما، من بينهم المؤلف.

تتجاوز أهمية “شعراء الجزائر في العصر الحاضر"، عدد الأسماء التي جمعها، فهو يعكس مشروعا ثقافيا، قام على التدوين والتعريف بالمبدعين، في زمن كانت فرص النشر محدودة، وكانت المحافظة على الذاكرة الأدبية جزءا من الجهد الرامي إلى صون الشخصية الوطنية. ومن هذا المنطلق، يمثل الكتاب شاهدا على حيوية المشهد الشعري الجزائري، وعلى إصرار مثقفيه على توثيق إنتاجه، رغم القيود الاستعمارية.

كما تفتح المئوية الباب أمام عمل علمي، يتجاوز الاحتفاء الرمزي، من خلال إعادة قراءة الكتاب، وتحقيق نصوصه، وفهرسة الأسماء الواردة فيه، ومقارنة بياناته بالمصادر الأخرى. ويمكن لمثل هذه الخطوات أن تسهم في إغناء البحث الجامعي، وتوفير مادة موثقة للباحثين المهتمين بتاريخ الشعر الجزائري وتحولاته.

وتكتسب المبادرة دلالة خاصة في بسكرة، بما تختزنه المنطقة من رصيد ثقافي وأدبي، ومن إسهامات في الحياة الوطنية. فاستعادة تجربة السنوسي الزاهري، لا تعني استذكار مؤلف وكتاب فحسب، بل تتيح أيضا إعادة وصل الحاضر بجيل من الأدباء، الذين أدوا دورا في حفظ اللغة والهوية، وتسجيل ملامح الحياة الثقافية في النصف الأول من القرن العشرين.

وبعد قرن على صدور جزئه الأول، يستعيد “شعراء الجزائر في العصر الحاضر” حضوره، بوصفه عملا يستحق مزيدا من الدراسة والتعريف. وقد أكدت الندوة، أن صون التراث الأدبي لا يتحقق بالمناسبات وحدها، بل بمواصلة البحث فيه وإتاحته للقراء والطلبة، حتى تبقى جهود الرواد جزءا حيا من الذاكرة الثقافية الجزائرية.