سوفي يحاضر عن "وهران في البحر الأبيض المتوسط":
انتصارات وانكسارات وتبقى "الباهية" حاضنة الجزائريّين
- 233
مريم. ن
نشّط المؤرخ المعروف الدكتور فؤاد سوفي، أوّل أمس، بالمتحف البحري، محاضرة علمية بعنوان "وهران في البحر الأبيض المتوسط"، توقّف فيها عند محطات مهمة من تاريخ عاصمة الغرب الجزائري، التي لاتزال غير مكشوفة تماما. كما صال وجال في كلّ ما له علاقة بالباهية؛ من أدب، وثورة، وفن وغيرها.
ركّز البروفيسور سوفي (ابن مدينة وهران) في بداية محاضرته، على تاريخ تحرير وهران ابتداء من الاحتلال الإسباني الذي استمر لأكثر من قرنين، مؤكّدا أنّ الإسبان كانوا يرون المدينة أهم من العاصمة، فحين احتلالها كان بها 30 ألف ساكن، كما كان بها الكثير من المنشآت، والنشاط التجاري، وغيرهما؛ لذلك كان يقال: "كلّ ما تطلبه تجده في وهران". وذكر المتحدّث أنّ سكّان وهران قبل الغزو، كانوا يقصدون دوما حمّامات غرناطة للاستجمام (في نهاية القرن الـ 14 وبداية القرن الـ 15م). كما إنّ آخر ملوك غرناطة جاء إلى وهران واستقر بها، ثم بتلمسان، ليموت في فاس، وهذا التاريخ، حسبه، ظلّ مطموسا.
واستعرض المحاضر بعض معالم الباهية الأثرية؛ منها تلك التي أسّسها الإسبان الذين برعوا في تشييد القلاع والأسوار، وفي العمارة العسكرية عموما، وهو ما يبرز أيضا في عمارتهم فيما بعد بأمريكا اللاتينية؛ لذلك يوجد بالأرجنتين مثلا، منطقة أُطلق عليها اسم وهران؛ افتخارا باحتلالها، ومكانتها في العهد الإسباني. بعدها استرجع الباي محمد الكبير وهران من الإسبان، ليقف الدكتور سوفي عند الاحتفالات التي عمّت الجزائر حين تحريرها، كما هو موثق في شهادة الناصري، الذي دخل حينها من تونس. وحين وصل إلى قسنطينة وجد الاحتفالات العارمة.
كما أبرز المحاضر دور محمد بن عثمان باي معسكر، في التحرير، وهو الذي جلب الطلبة من مدينة التنس لصنع المتفجرات، ووضعها على القلاع والمنشآت الإسبانية. ونتيجة هذا الانتصار أصبح الباي محمد الكبير بطلا. وزاد من حبّ الناس له اهتمامه بالشأن العام، وإنجازاته المهمة في شتى المجالات؛ لذلك تم إطلاق اسمه على شارع بوهران. لكن المحاضر سوفي تأسّف على هذه الشخصية التي لم تنل حقها من الذكر والتمجيد مثل بايات أو دايات آخرين.
وبالنسبة للاحتلال الفرنسي، فقد دخل المدينة في 1831. ولم تكن فرنسا تنوي البقاء. وتم اقتراح تسيير وهران من طرف باي تونسي، لكن في سنة 1834 تم إخضاع المدينة للإدارة الفرنسية. أما عن سكان وهران فقال المحاضر إنّهم مزيج من مناطق الغرب ومن الجنوب. كما بهم جالية قسنطينية عُرفت بالكراغلة، أتى بهم الباي محمد الكبير واستوطنوا بوهران. ولاتزال مقبرتهم موجودة إلى اليوم. واستحضر الدكتور سوفي بالمناسبة، حضور أهل وجدة في المشهد، علما أنّ هذه المدينة كانت جزائرية، وهي من ضواحي مدينة تلمسان. وأهلها يسمَّون بالجزائريين حتى في المغرب. وظلوا كذلك حتى بعد استقلال الجزائر (قال إلى سنة 1975).
وبعد سنة 1847 ظهر الوجه الأوروبي في وهران من خلال جالية قوية، انصبّ اهتمامها على المال والأعمال، ولم تكن مهتمّة بشؤون الحكم والسياسة في العاصمة. أما ميناء المرسى الكبير فوصفه المحاضر برئة وهران. شهد أحداثا تاريخية. وظلّ معلَما مهما من المدينة رغم بعض التراجع الذي عرفه، علما أنّ الميناء تمّ توسعته سنة 1925 بإزالة هضبة غيّرت المشهد العام. ثم جاء العمران العصري، الذي جعل المباني العالية تحول بين الباهية والمتوسط؛ ما جعلها توصف بأنّها تدير ظهرها للبحر. وفي ما يتعلّق بالأدب، أشار المحاضر إلى أنّ ألبير كامو كتب عن وهران التي مكث فيها، ووصف حالها وحياته فيها. وفي سنة 1963 كتب قائلا: "وهران لا تحتاج لكتّاب بل للسياح".
كما تحدّث الأستاذ سوفي عن الفن، ممثلا بالراحل أحمد وهبي عندما غنى "وَهْرَنْ رُحْتِ خسارة" ؛ الأمر الذي أثار حينها غضب الوهرانيين. وتناول المحاضر تاريخ الثورة في وهران، منها حادثة محاولة تفجير الطائرة الفرنسية (لإثارة الضجة وليس للقتل)، وكانت الحادثة الوحيدة في الثورة لم تتكرّر. ففي سنة 1957 تقرّر من خلال خلية جبهة التحرير في وهران، الهجوم على مطار السانية، وتمت الاستعانة بالفرنسي فريديريك سيغورا الذي كان منتميا لصفوف الثورة. وحينها كانت الطائرة بها ضبّاط وعائلاتهم متوجّهون إلى فرنسا للاحتفال برأس السنة. لكن الطيّار عند التحليق اكتشف الأمر، وتحكّم في الوضع. وبعدها فُتح تحقيق، وتم القبض على الشبكة. وظلّت عائلة هذا الفرنسي فخورة ببطولته ووقوفه مع الثورة الجزائرية.
أما تاريخ المنظمة السرية "أواس" فقد كان أسود في وهران بعدما فشلت في العاصمة. ففي 28 فيفري 1962 كانت أوّل عملية تفجير سيارة مفخّخة في العالم بعد عقود من تنفيذ هذه العمليات (فلسطين). ثم مجزرة 5 جويلية 1962 التي شوّهها المؤرّخون الكولونياليون. والحقيقة أنّ الرصاص الحيّ كان يستهدف المدنيين الجزائريين العزّل أثناء الاحتفال بالاستقلال، لكن الأمن العسكري الجزائري ضبط الأمن، وحمَا حتى بعض الأوروبيين المهدَّدين، والذين حفظوا له الجميل بعد الاستقلال. وهنا ذكر الأستاذ سوفي أنّ عدد المعمّرين في وهران بلغ 200 ألف. وبعد الاستقلال بقي 15 ألف، ثم غادر جميعهم بعد خضوع المرسى الكبير للسيادة الجزائرية.
وقال المحاضر إنّ وهران تبقى عاصمة المال والأعمال في الجزائر، فقد صنعت الفرق حتى قبل الانفتاح في نهاية الثمانينيات. كما تميّزت المدينة بكونها حاضنة لكلّ الجزائريين بلا استثناء بترحابها، وضيافتها، وسرعة الاندماج في مجتمعها، مضيفا أنّ ولايات الغرب والجنوب حتى أدرار، لها علاقات متجذّرة مع الباهية؛ فهي مقصدها في الزيارات العائلية، وفي التجارة وغيرها، بل إنّ هذا التأثير وصل إلى سطيف وبرج بوعريريج، علما أنّ وهران تتطوّر مع الوافدين عليها.
وتميّزت المناقشة بالثراء، وكثرة طرح الأسئلة. وفيها توقّف المحاضر عند العمران وحركة السير بين ضواحي المدينة خاصة مع الترامواي، وكيف أنّ مناطق من خارج المدينة أصبحت اليوم مندمجة في النسيج العمراني الجديد، فيما غابت نوعا ما أحياء كانت وهران تُعرف بها؛ منها الكانستال. وكذلك الحال بالنسبة للمعالم التاريخية التي بقيت فيها الإسبانية هي الظاهرة؛ كسانتا كروز التي تبدو وكأنّها هوية ورمز وهران، في حين أنّ معالم عثمانية وجزائرية تستحق الظهور أيضا إذا ما أعيد إبرازها بإعطائها الطلة المناسبة؛ كي لا تبقى سانتا كروز وحدها البارزة والمطلة خاصة أثناء التصوير، الذي يجب أن يكون من شرق وهران إلى غربها، وليس العكس الذي يطمس باقي المعالم.