العرض الذي فتح باب الأسئلة من جديد

"الهاربات" التونسي.. الدرس القاسي للمسرحيين الجزائريّين

"الهاربات" التونسي.. الدرس القاسي للمسرحيين الجزائريّين
  • 394
دليلة مالك دليلة مالك

تحوّل عرض مسرحية "الهاربات" للمخرجة التونسية وفاء الطبوبي الذي قُدّم مؤخرا بالمسرح الوطني الجزائري محيي الدين بشطارزي، من لحظة فرجوية منتظرة إلى حدث ثقافي إشكالي، فتح نقاشاً عميقاً حول واقع المسرح الجزائري، وأسئلته المؤجلة. لم يكن العرض مجرد مشاركة عربية في تظاهرة مسرحية، بل بدا وكأنه مرآة حادة، عكست الفجوة بين ما يُنجَز مسرحياً في المنطقة، وما آلت إليه حال المسرح المحلي من ركود، وتراجع.

مسرحية "الهاربات" الممتدة على 83 دقيقة، عُرضت لحساب المهرجان الوطني 18 للمسرح المحترف. ليست عملاً عادياً يمكن استهلاكه والانصراف عنه، بل تجربة مسرحية متكاملة تشتغل على النص، والإخراج، والأداء، والسينوغرافيا؛ باعتبارها منظومة واحدة لا تقبل التفكيك أو التنازل. من اللحظات الأولى يفرض العرض منطقه الخاص، ويضع المتفرج أمام مسرح واعٍ بذاته، يعرف ماذا يريد أن يقول، وكيف يقوله دون خطاب مباشر أو ادعاء فكري.

المؤلم في الأمر أن "الهاربات" لم تُشعر المتفرج الجزائري بالفخر العربي المشترك بقدر ما أيقظت إحساساً بالخيبة. خيبة مرتبطة بتراجع الجرأة، وضعف البحث، وغياب الرؤية في كثير من الإنتاجات المحلية. فالعرض التونسي بدا كدرس قاسٍ، ليس بهدف الإدانة، بل بوصفه دعوة صريحة لإعادة التفكير في المنهج، وفي علاقة المسرحي الجزائري بنصه، وبجمهوره.

وبعد إسدال الستار لم يكن السؤال المطروح: هل أعجبنا العرض؟ بل: هل نحن ـ كمسرحيين ومؤسسات ونقاد ـ واعون بحجم الهوة التي تفصلنا عن مسرح حيّ، قلق، ومؤثر؟ وهل مازلنا نملك الشجاعة للاعتراف بأن المسرح الجزائري في وضعه الراهن، بعيد عن المستوى الذي يليق بتاريخه، وبطاقاته الإنسانية؟

النص الذي كتبته وأخرجته وفاء الطبوبي يشتغل على فكرة الهروب بوصفه حالة وجودية، لا مجرد فعل جسدي. الهروب هنا هو من القمع، من الذاكرة، من الجسد، من السلطة، والشخصيات لا تبحث عن خلاص سهل، بل تتخبط داخل أسئلتها، وتتعثر في محاولاتها للفهم والنجاة. هذا العمق الفكري لا يُقدَّم عبر خطاب لغوي ثقيل، بل من خلال بناء درامي ذكي، يعتمد على الإيحاء، والتكثيف، وتداخل الأزمنة والحالات النفسية.

الإخراج جاء منسجماً تماماً مع روح النص؛ حيث اختارت الطبوبي اقتصاداً بصرياً صارماً، جعل الخشبة فضاءً مفتوحاً للتأويل، لا مسرحاً للاستعراض. الحركة مدروسة، الإيقاع مضبوط، والصمت يوظَّف بذكاء لا يقل أهمية عن الكلام. كل تفصيل على الركح يبدو محسوباً. وكل انتقال بين المشاهد يحمل معنى درامياً واضحاً.

أما الأداء التمثيلي فقد شكّل أحد أقوى عناصر العرض. فاطمة بن سعيدان، ومنيرة الزكراوي، ولبنى نعمان، وأسامة الحنايني، وأميمة البحري، وصبرين عمر، قدّموا أداءً جماعياً منسجماً لا نجومية فيه ولا استعراض فردي. الممثل هنا أداة تفكير بقدر ما هو أداة تعبير. والجسد يتحول إلى لغة قائمة بذاتها، تنقل الألم، والخوف، والرغبة، والتمرد دون افتعال.

الجوائز التي حصدها العمل من التانيت الذهبي في أيام قرطاج المسرحية، إلى الجائزة الكبرى للإبداع المسرحي في المهرجان الوطني للمسرح التونسي، لا تبدو مفاجئة أمام هذا المستوى من النضج الفني. لكنها، في السياق الجزائري، اكتسبت بعداً آخر، إذ جعلت السؤال أكثر إلحاحا: أين يقف المسرح الجزائري اليوم من مثل هذه التجارب؟.