الدكتور قرين ضيف "أربعاء الكلمة"

النخبة الجزائرية أفشلت المشروع الكولونيالي

النخبة الجزائرية أفشلت المشروع الكولونيالي
الكاتب والمؤرخ الدكتور مولود قرين
  • 248
مريم. ن مريم. ن

❊ الجزائر رائدة النضال في الشمال الإفريقي

استضاف موعد "أربعاء الكلمة" في عدده الأخير، الكاتب والمؤرخ الدكتور مولود قرين، للحديث عن "النخبة الجزائرية: مرجعيات تيارات مواقف واهتمامات"، استعرض من خلاله، النضال الثقافي والاجتماعي الذي تبنته شخصيات وجمعيات وأحزاب وطنية، لتحرير الجزائر وصون هويتها والوقوف في وجه النخبة المصطنعة، التي وظفتها فرنسا لطمس الكيان الجزائري واستبداله بالكولونيالي المحتل.

أكد الدكتور قرين أن المقاومة ضد الاحتلال الفرنسي لم تتوقف، مستشهدا بأبناء وأحفاد الأمير عبد القادر الذين فتحوا جبهات حرب ضد المحتل، ذاكرا منهم الأمير علي، الذي قاوم المستعمر الإيطالي في ليبيا، علما أنه كان في مجلس النواب العثماني حينها، وكذلك الأمير عبد المالك الذي قاوم الاحتلال الإسباني في المغرب، وصولا إلى الأمير خالد، الذي قاد المقاومة الثقافية والسياسية، كما أنه أسس عدة مجلات، منها "الأقدام" و"الإخاء" في بداية العشرينيات، لينفى إلى مصر، ثم دمشق، بعدها سافر إلى فرنسا ويواصل النضال داعيا إلى الوحدة المغاربية، للوقوف في وجه فرنسا، أثمرت بعدها ـ كما أضاف المتحدث ـ حزب شمال إفريقيا سنة 1926، ما يبين أن الجزائر كانت أم الجميع وأم الشمال الإفريقي، تتبنى قضاياه داخليا وخارجيا، أي منذ الأمير علي، إلى غاية تأسيس جبهة التحرير وجيش التحرير في 1954، ليشير إلى أن الجزائريين كانوا في كل مكان، فالحركة النضالية التونسية كان من مؤسسيها جزائريون، وأن مؤسس حزب الدستور ذو أصل جزائري، وهو عبد العزيز الثعالبي، وأن صالح شريف قائد المقاومة في تونس، كانت أصوله بجاوية.

المقاومة الثقافية والسياسية مهدت للتحرير

أكد المتحدث، أن النخبة على اختلاف أطيافها، هي التي حملت لواء المقاومة الثقافية، وحاولت بما طرحته من أفكار منذ أواخر القرن التاسع عشر، أن تؤسس مشروعا ثقافيا قادرا على التصدي للمشروع الفرنسي الاستعماري، مشيرا إلى أنها غرست بجملة مطالبها، وعيا سياسيا، بدأ يتبلور شيئا فشيئا، إلى أن نضج في شكل أحزاب سياسية، منذ عشرينيات القرن الماضي، وأن مرحلة أواخر القرن التاسع عشر وبداية القرن العشرين، تعتبر مرحلة مهمة في تاريخ الحركة الوطنية الجزائرية، ولبنة أساسية في بناء الوعي الوطني، وإطارا مرجعيا استمدت منه الحركة الوطنية توجهاتها فيما بعد.

فلا يمكن فهم الحركة الوطنية الجزائرية بتشكيلاتها المختلفة، إلا بفهم دقيق لهذه المرحلة، التي كانت بمثابة مرحلة المخاض الذي أدى إلى ولادة أحزاب، واتجاهات الحركة الوطنية الجزائرية منذ النصف الثاني من عشرينيات القرن الماضي. توقف المحاضر عند تطور النخبة الجزائرية وملامحها، ابتداء من مواجهتها لسلطات الاحتلال (1830- 1892)، وقد حاول الدكتور قرين تحديد دلالات مصطلح النخبة.

بالمناسبة، أبرز الضيف موقف بعض النخب الجزائرية من الاستعمار الفرنسي في بداية الاحتلال، مركزا على "نخبة الحضر" في مدينة الجزائر، والنخبة الدينية (المرابطين) ودورهم في المقاومات والانتفاضات الشعبية، وكذلك بعض الأسر النافذة وموقفها من الاستعمار، وتطرق أيضا إلى موقف الإدارة الاستعمارية من النخبة في بداية الاحتلال، ومصير النخبة في ظل قوانين الإدارة الاستعمارية.

تناول المتحدث أيضا، وسائل النضال التي تبنتها النخبة الجزائرية للتعبير عن مطالبها، خاصة الصحافة، والجمعيات والنوادي الثقافية، والوفود والعرائض والمسرح، وغيرها من الوسائل، زيادة على مواقف النخبة من مختلف القضايا، التي ميزت المشهد السياسي في الجزائر في أواخر القرن التاسع عشر ومطلع القرن العشرين، كالتجنيس، والتمثيل النيابي، والتجنيد الإجباري، وقانون الأهالي وغيرها من القضايا، مع نماذج من قضايا الإصلاح في اهتمامات النخبة الجزائرية، والمتمثلة في قضايا الإصلاح الديني والتربوي والاجتماعي.

النخبة المفرنسة لم تصمد

عن النخبة المفرنسة، قال إنها ظهرت منذ نهاية القرن 19، مستعرضا بعض روادها، منهم عمر بوضرسة، مشيرا إلى أن الجنرال الفرنسي لوطو جاء إلى الجزائر عام 1914، وألقى خطابه المشهور الداعي إلى التخلي عن الهوية الجزائرية والدين الإسلامي، ليسهب المحاضر في سرد رموز هذه النخبة، منهم رابح زناتي (الربيع) صاحب جريدة "صوت الأهالي" الممجدة للحضارة الفرنسية، والداعية إلى التخلي عن الشخصية الجزائرية، للالتحاق بالغرب المتقدم، وحين مات، رفض الطيب العقبي الصلاة على جثمانه باعتباره مرتدا، بالتالي لا يدفن في مقابر المسلمين، كذلك محمد صوالح الذي كلف بتأليف الكتب المدرسية الموجهة لأبناء الأهالي، وقد كانت باللغة الدارجة، وتمجد فرنسا، كذلك بلقاسم بن التهامي وهو طبيب عيون، كان في صراع دائم مع الأمير خالد، وكان يشرف على جمعية المتجنسين، ثم صالح بن جلول الذي كفر بالقضية الوطنية الجزائرية جملة وتفصيلا، وكذلك علاوة عباس الذي كان في قائمة الخونة، التي قررت الثورة تصفيتهم، لتعاونهم مع سوستال، وذكر الدكتور قرين أن فرنسا حاولت دوما غسل أدمغة الجزائريين، خاصة منهم الشباب، لتسلبهم هويتهم، وعملت على تكوين مغالين في الإدماج، خاصة من خلال المتكونين بمدرسة بوزريعة للتعليم، لكنهم كانوا قلة، لم يصمدوا أمام مجتمعهم. بالمقابل، أكد المتحدث أن نخبا أخرى مفرنسة انتهجت النضال، وظلت وفية للوطن، وساهمت في اندلاع ونجاح الثورة، منها الراحل فرحات عباس.

تناول المحاضر أيضا، مسار النخبة الإصلاحية منذ مطلع القرن 20، وكانت مرجعيتها الجامعة الإسلامية التي نادى بها الأفغاني ومحمد عبده، وقرأ الجزائريون حينها "العروة الوثقى"، وتأثروا بأفكارها، ثم قرؤوا "المنار" لرشيد رضا، ثم فتحت الزيارات، خاصة في شقها التربوي والثقافي، ويتم أيضا محاربة الخرافات والدجل، وأكد الدكتور قرين أن تلك النهضة والوعي، ساهمت فيه أيضا الزوايا والمساجد والمدارس القرآنية  والمدارس الحرة والنوادي ومؤسسات المجتمع المدني، منها الجمعيات، كالراشدية والتوفيقية التي كانت تنظم لقاءات ومحاضرات يحضرها الجزائريون بقوة، منها ما يعرضه الراحل عمر بن قدور الجزائري، كما ساهمت الصحافة الحزبية في نشر الثقافة والوعي.   

خلال المناقشة، سألت "المساء" المحاضر عن سبب الظهور المحتشم للنضال الثقافي أمام غيره من أشكال النضال في الجزائر، وكيفية إعادة إحيائه وتفعيله، فردّ أن جل الدراسات تركز على الجانب المسلح، حتى عند الأمير عبد القادر، لتهمل الجوانب الإنسانية والفكرية الحضارية، كذلك الحال مع تاريخ الحركة الوطنية، حيث يهمل الجانب الثقافي الذي كان هو من يحرك الجانب السياسي والثوري، لأن الهجمة الفرنسية كانت في عمقها ثقافية حضارية، كما أن الجزائريون لجؤوا إلى دينهم وثقافتهم للتحصين من الطمس الاستعماري، بالتالي تحطمت مشاريع التغريب، وهو ما يتطلب اليوم، حسبه، مزيدا من الدراسات المعمقة.