ندوة "مشاهد الكتابة وأمكنتها"
المكان شاهد حيّ على مجريات الأحداث
- 602
مريم. ن
تحدّث روائيون عن تجاربهم ونظرتهم لفضاء المكان الذي يستقر في أعمالهم، وكان لكلّ منهم وجهة نظره وبناؤه لهذا المكان وفق السياق السردي الذي يحدّد المعالم والحياة والشخصيات، التي تدور في هذا الحيز المكاني سواء كان حيا أو قرية أو مدينة أو حتى غرفة مغلقة. تناول المشاركون في هذه الندوة التي تدخل في إطار البرنامج التي تحتضنه قاعة "سيلا"، تجاربهم المتباينة والخاصة فبالنسبة للروائية سارة النمس (أصغر روائية وصلت للقائمة الطويلة لجائزة البوكر بروايتها "جيم") فقد استعرضت الفكرة من خلال روايتيها "ماء وملح" و"جيم"، مؤكّدة أنّ الرواية الأولى ترصد يوميات شابة فلسطينية من غزة تراسل أسيرا بسجن الخليل، فكتبت سارة عن المكان التي تخيلته ولم تزره وقالت "اعتمدت على فيديوهات لمدينة غزة بشوارعها وطاعمها ومقاهيها واندهش القراء الفلسطينيون من وصفي الدقيق وتساءلوا عن سره".
سارة ابنة قرية نائية بالمسيلة غادرتها لتقيم منذ 6 سنوات بوهران الباهية وسحرت بجمالها الخلاق وتعرفت على أحيائها واستلهمت من أحد أبنائها الشباب ملامح وجهه لتعطيها لبطل روايتها، واستعانت بالأماكن والأحياء وبعض تفاصيل عيشها بوهران. فيما أشار الروائي بشير مفتي (أغزر الروائيين ومعروف بالقصة القصيرة منها "أمطار الليل" و"الظل والغياب" و"بخور السراب" و"شاهد العتمة" وغيرها الكثير) إلى أنّ العودة إلى أماكن الطفولة قد تعود في الكبر وتؤثر على الروائي، حيث يستعيدها في علاقته بالمكان المادي الواقعي وكذا بالمتخيّل أي ببعض التفاصيل بالمتخيل فيتداخل الواقع مع الإبداع، وقال إنّه كتب عن مدينته الجزائر العاصمة متسائلا عن مدى وفائه لها، وهي التي ظلمت لأسباب تاريخية ذلك لأنّ أغلب الكتاب كانوا من الريف وعلاقتهم بالعاصمة كانت علاقة اغتراب ودهشة، مثلما كان الحال مع وطار وبن هدوقة مثلا، حيث طغى الريف على هذا الجيل وبالتالي لم يجد مفتي وجيله تراثا قبليا عن المدينة خاصة العاصمة، وبالتالي كتب عن العاصمة خاصة في العشرية السوداء حيث الرعب، وفي نفس المدينة أمكنة أخرى منها الحانات المغلقة، حيث الهروب من الواقع، وأضاف مفتي أنّ سؤال المدينة وحضورها لا زال مطروحا في الرواية الجزائرية عكس مصر مثلا مع نجيب محفوظ في حارات وشوارع القاهرة التي قدّمها للعالم.
من جهته، أكّد الروائي عبد اللطيف ولد عبد الله صاحب "خارج السيطرة" الفائزة بجائزة علي معاشي و"عين حمورابي" المرشّحة لبوكر 2021، أنّ المكان بصفة عامة هو حيّز متحرّك وحيّ يؤثّر فينا ونؤثّر فيه، ودون ذلك يصبح مجرّد فضاء مطلق، كما أنّ للقارئ عينه ومخياله الذي يرى به المكان في أيّ عمل إبداعي. أما محمد فتينينة (له "على حافة البحيرة" و"خيام المنفى" وفاز بجائزة الطاهر وطار)، فيرى أنّه لا يوجد مكان من دون زمان كما الحال مع ثلاثية محمد ديب حيث تلمسان، وبالنسبة لفتينينة فقد استعان في روايته "كافي ريش" بعدّة أماكن منها سوق حاسي بحبح وغيره وجعله مستقلا بحدّ ذاته يوازن بين الحاضر والماضي ويوحي بالأحداث وتسلسلها، مؤكّدا أنّ للمكان في الجزائر يجب أن يسمع.