الدكتور بن ونيش في ندوة بقصر "حسين داي"
المطالبة بإعادة الاعتبار لمهندس المعالم في الجزائر
- 167
لطيفة داريب
نوّه الدكتور نزيم كمال بن ونيش بعملية التواصل الحضاري التي حدثت بين الحضارتين الرومانية والعثمانية على أرض الجزائر، والتي تجلّت في استعمال العثمانيين للحجارة الرومانية في بناء مسجد الداي التابع لقلعة الجزائر. وقد يكون الأمر نفسه بالعديد من المعالم التي شُيّدت في الفترة العثمانية.
قدّم الدكتور بن ونيش مداخلة أوّل أمس بقصر “حسين داي” بعنوان “الحجارة الرومانية التي تحمل الصلاة -مسجد الداي بالجزائر ذاكرة مبنية-"، نظّمتها مديرية النشاطات الثقافية. وقال إنّ الموضوع الذي تناوله في الدكتوراه كان عن مسجد الداي الذي بُني عام 1818 على يدي علي خوجة، ومن ثم الداي حسين. تم استعمال فيه حجارة رومانية تعود إلى القرن الثاني بعد الميلاد، ما يدلّ على تواصل الحضارات فيما بينها، وعدم إقصاء بعضها البعض، وهو ما نوّه به بقوّة.
وأشار المحاضر إلى قدرة مدينة الجزائر في التكيّف مع أنماط الحياة المختلفة التي فرضتها الحضارات التي مرت بها، وما مسجد الداي إلاّ مثال حيّ عن ذلك، فهو معلم سياسي أيضا، حيث قرّر علي خوجة أن يتخلى عن قصر الجنينة والالتحاق بقلعة الجزائر؛ لجعلها مصدر حكم للجزائر، ومن ثم بناء مسجد بالقرب منها لم يشهد على إكماله؛ نظرا لفترة حكمه القليلة (7 أشهر)، ليواصل حسين داي المهمة، علاوة على كونه معلما متعلّقا بالذاكرة بما أنّ جزءا منه تم بناؤه بحجارة رومانية (تقنية سبوليا)، تم كشفها في هذا المعلم بواسطة سكانير ثلاثي الأبعاد.
وبالمقابل، دعا بن ونيش إلى إعادة الاعتبار لمهنة مهندس المعالم، الذي اعتبره قائد الأوركسترا في كلّ عملية ترميم، رافضا أن يكون مجرّد عنصر يمكن تغييره بسرعة على مستوى مكاتب الدراسات، وهو ما قد يحصل في حال عدم توافق الأفكار بين مدير مكتب دراسات ومهندس المعالم. كما أكّد أهمية هذا التخصّص في التراث، وعدم حصره في الجانب التنظيري المتعلّق تحديدا بالتعليم، بل من الضروري أن يكون مهندس المعالم المشرف الأوّل على عمليات الترميم وصاحب القرار، والذي يتواصل مع كلّ المختصين في التراث حتى ولو تطلّب الأمر العمل مع أكثر من مكتب دراسات. وقال المهندس إنّ إدارته لمكتب دراسات لمدة 25 سنة، مكّنته من تدريس الطلبة حاليا بعد أن تخلى عن هذا المكتب وتحوّل إلى التدريس والبحث، الجانب التطبيقي لعمليات الترميم وكلّ ما يتعلّق بالتراث، ليعيد طلبه في إعادة الاعتبار لمهندس المعالم، وتأسيس جمعية أو منظّمة تضمّ مهندسي المعالم، تدار برعاية وزارة الثقافة والفنون.
وتحسَّر بن ونيش عن واقع مهندس المعالم في الجزائر؛ إذ يجد نفسه مهدّدا بالفصل في مكتب الدراسات الذي يطلب خبرته، وبالتالي قد لا يتلقى تعويضا في حال إصابته بحادث في موقع العمل، أو حتى دفع أجرته، بينما هو من يجب أن يكون أوّل حلقات الترميم، علما أنّ مهندس المعالم هو مهندس معماري متخصّص في حفظ وترميم وتثمين الممتلكات الثقافية والعقارية والمحمية، يشرف على المشاريع المتعلّقة بترميم المواقع التاريخية.
كما يقوم بدور محوري في حماية التراث المادي. وتابع أنّ مهندس الترميم ليس مطالَبا بامتلاكه لمكتب دراسات، بل يمكن أن يعمل بالشراكة معها شرط أن يكون المسؤول الأوّل عن الترميم بالتعاون مع مختلف التخصّصات التي لها علاقة بالتراث، إلاّ أنّ فتح مكاتب دراسات من طرف مهندسي المعالم، سيكون لصالح عمليات الترميم. كما أشار إلى وجود مكاتب دراسات جادة تخدم التراث بكلّ عمق وحب، حتى إنّ البعض لا يحمل شهادات، ولكنّها مفيدة جدا لتراثنا، تعمل بإخلاص وبصفاء من دون إخفاء شيء ما. وأكّد المحاضر وجود مختصين ماهرين ومبهرين في التراث يُستعان بهم في الخارج، مشيرا إلى أهمية الاستفادة من خبراتهم، كلّ في تخصّصه، وهكذا سيتم إنقاذ معالمنا التراثية، خاصة لو تمت الاستعانة بالتقنيات العالية في هذا المجال.
وفي هذا الموضوع تحدّث المحاضر مع “المساء” عن قدرتنا في الحفاظ على معالمنا من خلال تصويرها بتقنية المسح الضوئي ثلاثي الأبعاد (سكانير). والبداية يمكن أن تكون بقصبة الجزائر؛ “ حتى نتمكّن من ترميم ما يتهدّم منها بحكم أنّنا نعرف كلّ تفاصيلها من خلال استعمال السكانير هذا، وهو ما قام به بمسجد “الداي”. وأضاف في حديثه مع “ المساء” أنّ شخصا قام بعملية سكانير ثلاثي الأبعاد بشكل خفي لكاتدرائية “نوتر دام دو باري" . وقد استعان به المختصون نظرا لغياب مخطّطات خاصة بهذا المعلم التاريخي. كما طالب الدكتور بوضع أجهزة استشعار على مستوى معالمنا التراثية، التي ستشهد عمليات ترميم. وقد تستغرق هذه العملية عاما كاملا؛ حتى يتم التعرّف على كيفية تجاوب هذا المعلم مع مرور الزمن، خاصة في حال حدوث هزّات خفيفة.