المبدعة آسية بودخانة لـ”المساء”:

الكتابة طريقة لفهم الذات والحياة والوجود

الكتابة طريقة لفهم الذات والحياة والوجود
المبدعة آسية بودخانة
  • 129
 بوجمعة ذيب بوجمعة ذيب

تُعدّ الكاتبة آسية بودخانة، المنحدرة من قرية السماش بإقليم بلدية بوشطاطة في ولاية سكيكدة، وأخصائية نفسية تعمل بمؤسّسة الصحة العمومية، وجهاً نسائياً متميزاً في عالم الكتابة الإبداعية، إذ استطاعت أن تشقّ طريقها بثبات في هذا المجال. وخلال دردشة جمعتها بـ«المساء” بقصر الثقافة والفنون، أكّدت أنّها تؤمن بأنّ الكتابة ليست مجرّد ممارسة لغوية، بل هي عالم قائم بذاته، وطريقة بنّاءة لفهم الذات والحياة والوجود بكلّ تحوّلاته وجوانبه، موضّحة أنّها تحاول من خلال الكتابة التقاط ما يختبئ خلف الأحداث من مشاعر وأسئلة إنسانية.

عن بدايتها، أوضحت الكاتبة أنّ علاقتها بالكتابة بدأت منذ الصغر، من خلال شغفها الكبير بالمطالعة، حيث كانت تجد في الكتب عوالم أوسع من الواقع، لتكتشف مع الوقت أنّ الكلمات ليست فقط ما نقرأه، بل ما نستطيع أن نخلقه أيضاً. وأضافت أنّ القراءة تحوّلت لديها إلى حاجة للتعبير، والملاحظات الصغيرة إلى نصوص، ثم إلى مشروع كتابة مستمر. وتعتبر الكتابة مساحة للحرية والمقاومة، ونوعاً من المصالحة مع الذات، كما تراها محاولة لفهم الإنسان في لحظات ضعفه وقوّته، وفرصة لمنح التفاصيل العابرة حياة أطول.

وفي حديثها عن عوامل الإبداع، أكّدت المتحدّثة، أنّ القراءة المستمرة، والملاحظة الجيّدة، والانفتاح على التجارب الإنسانية، إلى جانب الصبر والانضباط، تمثّل الطريق الأنجح نحو الإبداع، الذي لا تراه ومضة عابرة فقط، بل عملاً يومياً وتدريباً دائماً على الكتابة. وترى بودخانة أنّ الإبداع الحقيقي يتجاوز التصنيفات المرتبطة بما يسمى "الأدب النسائي" أو "الأدب الرجالي"، معتبرة أنّ قيمة النصّ تُقاس بعمقه وجماله وقدرته على التأثير، لا بجنس كاتبه، رغم اختلاف التجارب والرؤى بحكم الفوارق الاجتماعية والإنسانية.

وبخصوص معايير النجاح، أوضحت أنّ النجاح يكمن في وصول النصّ إلى القارئ بصدق، وترك أثر أو سؤال أو شعور لديه، مشيرة إلى أنّ النجاح لا يُقاس بعدد النسخ المباعة أو الجوائز المحصل عليها، بل بقدرة النص على البقاء في ذاكرة القارئ. كما اعترفت بميلها إلى الرواية والنفس الطويل في الكتابة، لكونها فضاء رحباً لبناء العوالم والشخصيات، معتبرة أنّ السرد أصبح أكثر حضوراً اليوم، لانسجامه مع طبيعة العصر وسرعة التلقي، غير أنّ التحدي الحقيقي يظلّ في جودة النص، لا في جنسه الأدبي. وأكّدت أنّ وسائل التواصل الاجتماعي ساهمت في انتشار النصوص السريعة والقصص المباشرة، ما سهّل وصولها إلى القارئ، لكنّها شدّدت على أنّ ذلك لا يلغي أهمية الاشتغال الفني العميق على اللغة والبناء.

وفيما يتعلّق بالقصة القصيرة، ترى الكاتبة أنّها ما تزال بحاجة إلى مزيد من الدراسات النقدية الجادة التي تكشف خصوصياتها الفنية والجمالية، باعتبارها جنساً أدبياً قائماً بذاته. وأضافت أنّها تميل إلى مختلف الأجناس الأدبية التي تثير فضولها، حيث خاضت تجارب في الشعر والمسرح وأدب الأطفال، لكنّها تؤمن بأهمية التعمّق في المجال الذي يجد فيه الكاتب صوته الخاص.

وأكّدت بودخانة أنّها تكتب للإنسان أوّلاً، وللقارئ الذي يبحث في النصّ عن جزء من نفسه، وربما لذلك الجزء الصامت الكامن داخل كلّ واحد منا. وعن رسالتها في كتابها الجديد "هايبومانيا"، أوضحت أنّها اختارت العنوان بوصفه رمزاً أدبياً أكثر منه مصطلحاً طبياً، ليعبّر عن حالة إنسانية تتأرجح بين الارتفاع والانكسار، وبين الأمل والخذلان، وبين الرغبة في الحياة ومواجهة الفقد. وأضافت أنّ الإنسان يحمل داخله عوالم متناقضة، وأنّ الأدب قادر على الإنصات إليها وفهمها، مشيرة إلى أنّ الواقع يمثّل منطلقاً في كتاباتها، بينما يمنحه الخيال أبعاده الفنية والإنسانية، معتبرة أنّ أجمل النصوص هي تلك التي تجعل القارئ يتساءل "أين ينتهي الواقع وأين يبدأ الخيال؟".

وبخصوص مشاريعها المستقبلية، كشفت أنّها تطمح إلى مواصلة الكتابة والعمل على مشاريع سردية جديدة، مع تطوير تجربتها الأدبية وخوض مغامرات إبداعية مختلفة. كما ترى أنّ المسابقات الأدبية والتكريمات تمثّل حافزاً مهماً وفرصة للتعريف بالأعمال، لكنّها ليست معياراً وحيداً للجودة، مشيرة إلى أنّ هناك أعمالاً عظيمة لم تنل جوائز، وأخرى نالت جوائز لكنّها غابت عن ذاكرة القراء. وأكّدت أنّ الثقافة شكل من أشكال الوعي، لكنّها تحتاج إلى وعي يحميها من الاستهلاك السطحي ويجعلها أداة لبناء الإنسان والمجتمع. وختمت الكاتبة حديثها بالتأكيد على أنّ الكتابة ليست ترفاً، بل أثراً يتركه الإنسان في مواجهة النسيان، فالكلمات الصادقة قادرة على العبور من قلب إلى قلب، ومن جيل إلى جيل.

للإشارة، تضمّ مسيرة آسية بودخانة الإبداعية مجموعة قصصية بعنوان "حطب يشعله الماء" (2015) عن دار "ابن الشاطئ"، تلتها رواية "زوايا الصفر" المتوّجة بالجائزة الوطنية للرواية القصيرة سنة 2016، ثم رواية "سلالم المنفى" الموجّهة للشباب والحائزة على الجائزة الوطنية لأدب الشباب، وأخيراً رواية "هايبومانيا" الصادرة سنة 2024 بدعم من وزارة الثقافة.