الأستاذة بن زاهي في محاضرة بقصر رياس البحر:
القصـر العتيق بورقلة..ذاكرة عمرانية تصارع النسيان
- 241
لطيفة داريب
أكدت المهندسة المعمارية ومديرة المتحف الصحراوي الأستاذة أم الخير بن زاهي، مقاومة الفعل التراثي في ورقلة أمام كل التحديات التي تواجهه، مضيفة في المحاضرة التي ألقتها، مؤخرا، بقصر رياس البحر، أن ورقلة تحولت من مدينة تاريخية إلى مدينة إدارية، فاقتصادية، وهو ما انعكس على تراث المنطقة، خصوصا العمراني منه.
تتواصل فعالية الأسبوع الثقافي الورقلي، بمركز الفنون والثقافة، في قصر رياس البحر، بمناسبة الاحتفاء بالسنة الأمازيغية الجديدة. وفي هذا السياق، تناولت الأنثربولوجية والمهندسة المعمارية أم الخير بن زاهي في مداخلتها، التركيبة العمرانية والاجتماعية للقصر العتيق بورقلة، فقالت إن بعض المراجع تشير إلى تأسيس ورقلة إلى العصور الحجرية، ومراجع أخرى تتحدث عن وجود ورقلة مع فجر التاريخ، حيث ظهرت تجمعات سكنية، مشيرة إلى وجود آثار رومانية قليلة وأخرى فينيقية.
تابعت الأستاذة أن ورقلة أصبحت محطة هامة للقوافل التجارية القادمة من الشمال إلى أعماق الصحراء، والتي كانت سببا في دخول شعبها الإسلام، باعتبار أن الفتوحات الإسلامية في الجزائر توقفت في بسكرة، مشيرة إلى أن المدينة تطورت من خلال وظيفة استقطاب السوق للتجمعات المجاورة، والتجارة التي كانت تتم مع القبائل، لكن مع مجيء الاستعمار تراجع هذا التطور، وتغيرت وظيفة المدينة إلى مركز إداري استعماري، وبسبب الاكتشافات المتعلقة بالطاقة، زاد من استقرار وجلب السكان إلى المنطقة، ما أدى إلى إحداث تغيرات عميقة، أهدرت الإقليم العمراني والتراثي للمدينة.
أما عن الخصائص العمرانية والمعمارية للقصر العتيق بورقلة، فذكرت بن زاهي أن النسيج المبني للقصر يظهر ككتلة موحدة ومتجانسة، تربط بين أجزائها شبكة ممرات معقدة، تتخذ شكل شرايين، وتتوسط واحات النخيل التي تنطلق من محيط الكتلة المتجانسة نحو اتجاهات مختلفة، متخذة شكلا كثيفا وغير منتظم. وتابعت أن النسيج المبني يتكون من ثلاثة أحياء ذات حدود وهمية، تظهر اجتماعيا، لكن لا تستطيع تحديدها، نظرا للتداخل الفضائي، وهي حي بني سيسين الذي يحتل الجزء الجنوبي من القصر، وحي بني واقين الذي يحتل الجزء الشرقي، في حين يحتل حي بني إبراهيم الجزء الغربي. كما أن كل حي من هذه الأحياء يتكون من مجموعة من الكتل المبنية ذات الشكل غير المنتظم، تفصل فيما بينها ممرات “الدروب”، تضمن أدنى حد من الحركة (حركة المشاة، حركة العربات التي تجرها الحيوانات).
وذكرت المحاضرة أن الكتل المبنية، تتكون من مساكن متصلة مع بعضها البعض بأكثر من واجهة، كما يتكون المسكن من مجموعة التجزيئات الداخلية (غرف)، تتمحور حول قضاء مركزي نسميه الفناء. علما أن هذا التركيب هو السائد في القصر، ويتكرر في كل مرة من المرات، ليعطي الشكل العام للنسيج.
وأشارت المتحدثة، إلى أنه في البداية، لم تكن مباني القصر، الذي يضم سبعة أبواب، وتبلغ مساحته 30 هكتارا، سوى أكواخ مبعثرة وسط النخيل، ومحيطة بأرض منبسطة بها ضريح (سي الورقلي) (لالة نجمة)، والتي أصبحت نقطة التقاء السوق المشتركة، بينما كان نسيج القصر يتشكل في الأول من الأنوية المبعثرة والمحيطة بساحة السوق القديمة، التي تصب فيها جميع المحاور. وقد تمت عملية التكاثف الأولى من خلال توسيع هذه الأنوية بشكل تجزيئات متجانسة (مستغلة للفلاحة )، على طول المحاور الرئيسية، لتعطي في الأخير شكلا موحدا وعاما للنسيج.
وتابعت الدكتورة مجددا، أنه باستمرار تزايد عدد أفراد العائلة، تم تقسيم التجزيئات حسب حجم العائلة، والتي هي في الأصل مخصصة للفلاحة، لتصبح فضاءات مبنية، ومنه فالإطار المبني في الأصل يوضع مباشرة على أراضي فلاحية، حيث يأخذ فيها بعين الاعتبار التقسيمات والممرات، وتضمن الحركة دون الاهتمام بالشكل الذي تأخذه.
ولخصت بن زاهي الخصائص العمرانية والمعمارية للقصر العتيق بورقلة في ثلاث نقاط، وهي المركزية والانسجام والحرمة، حيث بني هذا القصر بالشكل الذي يحفظ حرمة المرأة الورقلية شديدة الحياء، خاصة أنها تقضي تقريبا كل وقتها في القصر، على عكس الرجل الذي يمكث جل النهار في البستان.