رحيل المجاهد والمؤرخ محمد حربي

الضمير النقدي للذاكرة الثورية

الضمير النقدي للذاكرة الثورية
المؤرخ والمجاهد محمد حربي
  • 478
مريم. ن مريم. ن

توفي، أول أمس، المؤرخ والمجاهد محمد حربي بالعاصمة باريس، تاركا وراءه إرثا فكريا ونضاليا زاخرا، يُعد مرجعا موثوقا للأجيال الصاعدة. وعرف بمبدئه الراسخ، وهو أن " التاريخ ليس ضريحا، بل تحقيق. والتحقيق لا يقوم دون وثائق، وتعدد المصادر والأرشيف. وبرحيل محمد حربي تفقد الجزائر صوتا ظل يذكّر بأن الأمم لا تكبر بتجميد ماضيها، بل بفهمه.

توفي المؤرخ المجاهد محمد حربي يوم الخميس 1 جانفي 2026، فانتشر خبره سريعا في الأوساط الفكرية والسياسية. وذلك انعكاس طبيعي نتيجة قيمة الرجل وماضيه. وقد وصفه البعض قائلا: "ظل ضميرا نقديا يذكر بأن كتابة تاريخ الجزائر المعاصر ليست احتفالا دائما، بل مسؤولية علمية وأخلاقية، وأن الذاكرة حين تتحول إلى عقيدة مغلقة، تفقد قدرتها على الإضاءة، والإنصاف" .

ووُلد حربي في 16 جوان 1933 بـالحروش بسكيكدة. وعاش القرن العشرين كإنسان يجمع بين الوفاء والقطيعة: وفاء لفكرة التحرر، وقطيعة مع السرديات الجاهزة والمغلقة. كان ينتمي إلى جيل صنع الحرب. ثم شهد الدولة الناشئة، لكنه بقي ـ حسب من عرفه ـ مثقفا، لا يقبل أن تتحول الثورة إلى متحف سياسي. وانخرط حربي مبكرا في الحركة الوطنية. وعرف زمن ما قبل 1954، وحياة التنظيم السري، ثم الانتقال إلى الكفاح المسلح. وخلال الثورة تولى مهام داخل جبهة التحرير الوطني، خاصة في مجالات التنظيم، والخطاب السياسي. 

الراحل محمد حربي هو أيضا مؤرخ، وأستاذ جامعي، واختصاصي في تاريخ الحياة السياسية الجزائرية، وعضو سابق في جبهة التحرير. ومن بين المهام الهامة التي كُلف بها عمله سفيرا للجزائر في غينيا (1960 ــ 1961)، وسكرتيرا عاما في وزارة الخارجية (1961 ــ 1962)، ونائب رئيس الحكومة المؤقتة كريم بلقاسم ومعاونه. وسُجن في عهد الرئيس الراحل هواري بومدين (1965 ــ 1973). وقضى الأعوام الأخيرة تحت الرقابة الجبرية (1971 ــ 1973). 

واختار الراحل منفاه بفرنسا سنة 1973. وهذه المرحلة من حياته عززت الصرامة في فكره؛ أي أن نقده لم يكن ترفا، بل كان ثمرة تجربة شخصية. ففي فرنسا واصل حربي مشروعا معرفيا طويلا، رسخه كأحد أبرز المختصين في التاريخ السياسي الجزائري المعاصر. وقد تركت أعماله أثرا عميقا لدى أجيال من الباحثين والقراء. وكانت مؤلفاته، دوما، مرجعا موثوقا. كما عمل الراحل أستاذا في جامعات باريس 8، وباريس ديدرو، وباريس ديكارت.

ورغم المنفى ظل محمد حربي حاضرا في الأوساط العلمية والأكاديمية في الجزائر،  فقد كان كثيرا ما يُستدعى ويُستضاف في الجامعة الجزائرية في ندوات ولقاءات علمية، ليس بصفته شاهدا فقط، بل بصفته باحثا، يعيد وضع الأسئلة في مكانها الصحيح: سؤال الوثيقة، وسؤال المنهج، وسؤال الحق في الاختلاف داخل التاريخ الوطني ذاته.  ومن كتبه الشهيرة "التسيير الذاتي في الجزائر... ثورة أخرى (1962 - 1965)، و "مصير الجزائر... مؤمنون أو مواطنون" (1993)، و"جبهة التحرير... وهم وحقيقة" ، و"أرشيف الثورة الجزائرية" (1983)، ومذكراته: "حياة واقفة" (2001).

وما ميز كتابات محمد حربي في تاريخ الثورة، أنها كانت من طرف مناضل مشارك في أحداث الثورة التحريرية، حيث إن محمد حربي كان أمينا عاما لرابطة طلبة شمال إفريقيا، ثم عضوا في قيادة فيدرالية جبهة التحرير الوطني بفرنسا، ثم مديرا لمكتب وزير القوات المسلحة خلال الثورة، ومنه فإن كتابات حربي تحمل العديد من الحقائق والأسرار التي تخص تاريخ الثورة التحريرية الجزائرية. وإضافة إلى ذلك فالمؤرخ محمد حربي خريج جامعي ومثقف، وبذلك فإن كتاباته غالبا تتضمن نقاشات وتساؤلات يطرحها الكاتب، ويقوم بتحليلها.