الأستاذ عبد الكريم تزاروت لـ"المساء":
الشعبي نص قبل أن يكون لحنا وتراث متجدد رغم التحديات
- 137
لطيفة داريب
قال الأستاذ عبد الكريم تزاروت، في حديثه لـ"المساء"، إنه رغم كل التحولات التي عرفها المجتمع الجزائري، ورغم تراجع فضاءاته التقليدية، لا يزال فن الشعبي قادرا على الاستمرار والتجدد، بفضل جهود عدد من الفنانين الشباب، الذين أعادوا تقديمه بأساليب معاصرة، دون التفريط في جوهره الأساسي، المتمثل في الكلمة والنص الشعري.
أضاف الأستاذ عبد الكريم تزاروت لـ"المساء"، أن فن الشعبي ليس مجرد ألحان، بل هو قبل كل شيء، نص يحمل ذاكرة المجتمع ومشاغله. كما اعتبر أن هذا اللون الغنائي العريق يتطلب دراسات عميقة حوله، وهو ما يفتقد إليه بشدة، حيث أن معظم ما كُتب عن الشعبي يركز على مسارات الفنانين الكبار، ويهمل دراسة النصوص الشعرية، التي تشكل العمود الفقري لهذا الفن، وحتى التجديد الذي يصاحب هذه النصوص والألحان التي ترافقها، ليؤكد صعوبة، بل ربما استحالة تقديم تعريف محدد لفن أغنية الشعبي في وقتنا الحالي.
بالمقابل، أشار المتحدث إلى أن البيئة الطبيعية، التي نشأ فيها الشعبي، قد تلاشت تدريجيا، حيث كان مرتبطا بالمقاهي الشعبية، والأسطح، والأحياء القديمة، والمناسبات العائلية، مثل الأعراس التي كانت تمثل فضاءه الحقيقي. غير أن هذه الفضاءات اندثرت مع تغير نمط الحياة، واختفاء أشرطة الكاسيت والأقراص، وانقراض محلات بيعها، ما أدى إلى تقلص موارد الفنانين وتراجع انتشار هذا الفن.
كما نبه عبد الكريم، إلى ضعف حضور الشعبي في وسائل الإعلام، معتبرا أن تقلص برامجه في التلفزيون والإذاعة ساهم في تهميشه، في مقابل هيمنة الأنماط السريعة التجارية، ما جعل الأنترنت المنفذ شبه الوحيد أمام الفنانين، دون إطار مؤسسي يحمي الجودة والهوية. عن التطور التاريخي للشعبي، شدد المتحدث على أنه فن متحول بطبيعته، عرف منذ نشأته في عشرينيات وثلاثينيات القرن الماضي، قدرة كبيرة على التكيف مع التحولات التقنية والاجتماعية، مقدما مثالا بالحاج أمحمد العنقى، الذي نفض الغبار عنه وقدم وصلات تختلف عن تلك التي كان يقدمها معلمه، الشيخ الناظور، وسط انتقادات كبيرة، والتي مست أيضا الجيل الذي قدم بعد العنقى، وعلى رأسه العنقيس وقروابي والزاهي وشاعو وغيرهم، بفعل نجاحهم.
وأضاف، أن إدخال تأثيرات "الجاز" و"البلوز" على الشعبي في فترات مختلفة، آخرها فترة رضا دوماز، الذي أضفى على هذا الفن آلات موسيقية جديدة، يعبر عن انفتاح ثقافي، ساهم في إثراء التجربة الشعبية. غير أن النقطة المركزية في حديث الأستاذ عبد الكريم تمثلت في تأكيده أن الشعبي يقوم أساسا على النص الشعري. وقال: "القصيدة الشعبية هي الأساس، ويمكن تلحينها بطرق مختلفة، لكن إذا فقدت عمقها الإنساني والاجتماعي، فقد العمل هويته".
وضرب مثالا بتجارب فنانين أعادوا أداء النص نفسه بإيقاعات مختلفة، تقليدية وحديثة، ومع ذلك بقي مؤثرا، لأن قوة الكلمات ظلت حاضرة. كما أشار إلى أن بعض الفنانين قدموا نصوصا شعبية على إيقاعات الجاز أو باستعمال الغيثار، دون أن تفقد صفتها الشعبية وهم كُثر. في السياق ذاته، اعتبر عبد الكريم أن إهمال جمع هذه النصوص وتحقيقها وتحليلها لغويا وتاريخيا، يُعد خسارة ثقافية جسيمة، داعيا إلى دراستها وتحليلها على مستوى الجامعات والتأليف، وهو ما يقوم به في عدة إصدارات، آخرها كتاب له سيصدر عن فن الشعبي.
كما تطرق المتحدث، إلى الدور السياسي للشعبي خلال الحقبة الاستعمارية، حيث استُخدمت نصوصه لنقل رسائل وطنية واجتماعية بطريقة غير مباشرة، ما جعله أداة للوعي والمقاومة الثقافية. في حديثه عن الجيل الجديد، عبر عبد الكريم عن تفاؤله بالتجارب الشبابية، التي تحاول تحديث الشعبي، مؤكدا أن نجاحها يكمن في احترام النص وروحه.
وأن إنقاذ هذا الفن يتأتى بفهمه علميا وتطويره بوعي ومسؤولية، ليعود ويؤكد تميز فن الشعبي بسحر لا يقارن، وبخصوصيات فريدة من نوعها، من بينها أداؤه وفق "طقوس" معينة تميزه عن باقي الطبوع. للإشارة، كان من المقرر تنشيط الكاتب عبد الكريم تزاروت ندوة بعنوان: "الموسيقى الشعبية بين البارح واليوم"، أول أمس، بمكتبة "شايب دزاير" التابعة للمؤسسة الوطنية للاتصال والنشر والإشهار، إلا أنه تم إلغاؤها، بسبب غياب الجمهور.