احتفاءً باليوم الوطني للذاكرة
السينماتيك تكرّم أسماء ثورية وسينمائية
- 191
لطيفة داريب
احتفى المركز الجزائري للسينما، أوّل أمس، بقاعة السينماتيك، باليوم الوطني للذاكرة بشعار "الذاكرة الوطنية والسينما الجزائرية"، حيث تم بالمناسبة تكريم العديد من الأسماء الثورية والسينمائية، بالإضافة إلى تقديم ندوات، والإعلان عن إبرام اتفاقية بين المركز وجامعة الجزائر2.
بالمناسبة، قال مدير المركز الجزائري للسينما عادل مخالفية، إنّ الاحتفاء باليوم الوطني للذاكرة، هو اختزال لصفحات أليمة وصادقة لتاريخ الجزائر، وعربون وفاء لتضحيات أجيال صنعت أمجاد الوطن، مشيرا الى أنّ السينما ليست مجرّد وسيلة ترفيه، بل أداة فعّالة لتوثيق التاريخ، وصون الذاكرة الجماعية، فالذاكرة لا تصنعها الكلمات فقط، بل تبيّنها الصورة الصادقة التي تنبض بالحياة، وتنقل للأجيال تطلّعات الشعب نحو الحرية والكرامة، لينوّه مخالفية بإبرام السينماتيك اتفاقية تعاون مع جامعة الجزائر2، للتأكيد على التعاضد بين العمل الأكاديمي والإبداع الفني، من خلال تعزيز البحث في الفن السابع، وصياغة خطاب بصري واع ومسؤول، يربط بين الماضي والحاضر، ويستشرف المستقبل، ليدعو إلى حماية الذاكرة وفق وسائل متطوّرة، مع الحفاظ على عمقها التاريخي.
ومن جهته، تحدّث مدير جامعة الجزائر2 البرفسور سعيد رحماني، عن أهمية الاتفاقية المبرمة مع المركز الوطني للسينما في ظلّ حثّ رئيس الجمهورية عبد المجيد تبون، على أهمية حفظ الذاكرة الوطنية. كما دعا في سياق حديثه، إلى حماية ذاكرة الجزائر في زمن نعيش فيه حرب الهويات وصناعة التاريخ.
وبالمناسبة، كُرّمت أسماء ثورية وسينمائية بعضها حضر وبعضها غاب، وأسماء أخرى فارقت الحياة؛ على غرار المجاهدة زهور ونيسي، والمجاهد محمود عرباجي، والبرفيسور سعيد رحماني، والكاتب أحسن ثليلاني، والبرفيسور أحمد بجاوي، وأستاذ مادة التاريخ بجامعة الجزائر2 علال بيتور. كما تم تكريم روح المجاهد نور الدين جودي، وعائلتي الشهيدين ديدوش وبلوزداد، في حين غاب السيد قوجيل عن التكريم، وكذا المجاهدة جميلة بوحيرد، والكاتب رشيد بوجدرة.
ما بين الذاكرة والسينما
بالمقابل، قدّم الأستاذ علال بيتور مداخلة حول جذور مظاهرات 8 ماي 1945. وقال إنّ مظاهرات 8 ماي 1945 شكلّت دافعا قويا بضرورة رفع السلاح لتحقيق الاستقلال. وهو ما رافعت عنه المنظمة الخاصة أمام حركة انتصار الحريات الديمقراطية (الجناح السياسي لحزب الشعب). ففرنسا التي دخلت الجزائر بالبارود، كان يجب أن تخرج منها بالبارود أيضا، ليطالب المحاضر بمواصلة العمل والنضال لأجل رفعة البلد، وتحقيق نهضة أخرى.
أما البروفسور أحمد بجاوي فذكر في مداخلته، تأليفه كتاب "السينما والحرب التحريرية" بعد سنوات طويلة من التدريس والتكوين في الفن السابع. وهو المؤلَّف الذي يدرّس في كبرى جامعات العالم، والذي أعاد فيه الاعتبار للجزائريين وعلى رأسهم جمال شندرلي، الذي قال إنّه أوّل من صنع مشهدا عن جبروت المستعمر الفرنسي حينما صوّر ضرب طائرة لمنطقة جزائرية بالنابالم، ثم بإمكانياته عرض ما صوره بعد ارتحاله الى تونس.
وأشار بجاوي إلى عدم تناول السينما الجزائرية مظاهرات 8 ماي 1945، ومظاهرات 11 ديسمبر 1960 إلى غاية فيلم "هيليوبوليس" لجعفر قاسم، الذي تطرّق لمظاهرات 8 ماي 1945، مطالبا بإعادة الاعتبار للجالية الجزائرية المقيمة بفرنسا وبالأخص الأستاذ مهدي لعلاوي، الذي أسّس جمعية "من أجل الذاكرة"، وأنجز 50 فيلما وثائقيا عن الجزائر، علاوة على فيلم رشيد بوشارب "الخارجون عن القانون" الذي بدأ بمشهد من هذه المظاهرات.
ويرى بجاوي أنّ السينما تمثّل الحياة. والحياة مبنية على الذاكرة، لينتقل في حديثه إلى انتصار الجزائر على فرنسا المحتلة أيضا من خلال الصورة التي وصلت عن طريق جمال شندرلي وامحمد اليزيد إلى الولايات المتحدة الأمريكية في وقت انتشر فيه التلفزيون بنسبة 80 بالمائة في المجتمع الأمريكي عام 1955، بينما في فرنسا كانت النسبة لا تتعدى الواحد بالمائة، وهو ما أدى إلى التعريف بالقضية الجزائرية في أمريكا. أما بعد الاستقلال فأشار بجاوي إلى وجود أفلام ثورية مثل الفيلم الذي أنتجه لآسيا جبار، وأفلام أخرى عاد بعضها إلى جذور الثورة الجزائرية، خاصة حول حياة الحرمان والذل التي عاشها الشعب الجزائري في الفترة الاحتلالية.
وبدوره، أكّد الأستاذ أحسن ثليلاني الذي كتب سيناريو فيلم "زيغود يوسف" الذي تمّ عرضه في آخر النشاط بحضور مخرجه مؤنس خمّار، أنّ الفنون هي أحسن من يوثّق الذاكرة. وقد يغني مشاهدة فيلم عن قراءة العشرات من الكتب، مضيفا أنّ أحداث 8 ماي 1945 كانت شنيعة. ولم يتحدّث أو يكتب عنها أحد في تلك الفترة نظرا لحالة الخوف الناتج عن هذه الجريمة، إلى غاية 1948، حينما كتب الشيخ ابراهيمي عنها.
كما ذكر أنّ الثورة التحريرية لم تخلف فقط الشهداء، بل إن الكثير من الجزائريين فقدوا عقولهم جراء شناعة ما كان يحدث؛ مثل إصابة والدة كاتب ياسين بالجنون بعد اعتقال ابنها وهي التي كانت تعتقد أنّه قُتل. وفي إطار آخر، نوّه المشاركون بالحضور الكثيف لطلبة قسم الفنون لجامعة الجزائر2 في هذه الفعالية. وفي هذا دعا مخالفية كلّ الطلبة المهتمين بالفن السابع، لإنشاء نواد سينمائية، مؤكّدا أنّ باب السينماتيك مفتوح لهم.