لقاءات الغروب
السينمائيات في مواجهة اختلالات الصناعة السينمائية
- 122
مبعوثة “المساء” إلى تيميمون: دليلة مالك
لم يعد السؤال المطروح اليوم عن المرأة في السينما يدور حول حضورها على الشاشة فحسب، بل صار يمس موقعها داخل الصناعة نفسها، هل تملك فرصة حقيقية لدخول دوائر القرار والإبداع والإنتاج؟ فرغم ما تحقق، لا تزال العراقيل المهنية والتمويلية والصور النمطية تقيّد خطاها. هذا ما تقاسمته ممثلات ومخرجات ومنتجات ومهنيات، أول أمس، خلال “لقاءات الغروب” التي احتضنها مهرجان تيميمون الدولي للفيلم القصير، حيث استعرضت كل واحدة منهن مسارها، وما اعترضها من صعوبات في الأدوار المعروضة، وفي التمويل والإنتاج، وفي فرض الرؤية الفنية وتولي المسؤولية بقطاع لا تزال كفة الفرص فيه مائلة.
بدأت الممثلة أميرة هيلدا دواودة، التي عُرفت بمشاركتها في فيلمي "بابيشا» و"حورية»، بالحديث عن أحكام مسبقة ترتبط بالأصل والمظهر الخارجي، تحصر الممثلة في قوالب محددة وتحرمها من تنويع أدوارها. وأضافت أن قلة الإنتاجات في الجزائر تجعل الاستمرارية المهنية أصعب، في وقت تبقى فيه الشخصيات النسائية في أعمال كثيرة محصورة في الزوجة والأم والابنة، لا صاحبة الحكاية ولا محرّك أحداثها.
وعن تجربتها الخاصة قالت “كانوا يقترحون عليّ دائما أدوار ربة البيت، أو المرأة المعنفة، أو زوجة فلان أو ابنة فلان، وأحيانا أشعر أننا لا نكون أبدا موضوع الفعل في القصة”. كما توقفت عند ازدواجية المعايير في التعامل مع تقدّم الممثلين والممثلات في السن، إذ تواجه المرأة ضغطا أكبر بشأن الشباب والمظهر، وعبّرت عن ذلك بقولها “الرجل يتقدم في السن، أما المرأة فتختفي من السينما”.
أما الممثلة والمنتجة زهرة حركات، فقد جاء توجهها إلى الإنتاج، كما قالت، ثمرة إحباط من نوعية الشخصيات المعروضة على الممثلات وضيق المواضيع المطروحة، فأرادت أن تفتح المجال لحكايات تعكس تصورها لما ينبغي أن تكون عليه الصورة السينمائية والتلفزيونية. وقالت “كان إنتاج أعمال جديدة ضرورة بالنسبة إليّ، حتى أتمكن من تقديم ما أريد مشاركته مع الجمهور، سواء في التلفزيون أو في الأعمال الروائية”.
وانتقدت اختزال المرأة في علاقتها بالشخصيات الرجالية، داعية إلى تقديم شخصيات نسائية مستقلة بمسارها وصوتها ورؤيتها، وإلى تشجيع النساء على الانتقال من التمثيل إلى الكتابة والإخراج والإنتاج والمشاركة الفعلية في صناعة القرار الفني. وأضافت “المرأة الجزائرية ليست مجرد ضحية، وليست مجرد شخصية مرافقة للآخرين، بل هي إنسان كامل يحمل صوته الخاص”.
وفي السياق ذاته، عادت المخرجة والمنتجة والمديرة الفنية للمهرجان لويزة بلعمري إلى خمس عشرة سنة تقريبا من العمل، اصطدمت خلالها بصعوبات الإنتاج والبحث عن التمويل، وبذهنيات وعلاقات مهنية تدفع المرأة أحيانا إلى بذل جهد مضاعف لتنال الثقة في تسيير المشاريع. وأقرّت بأنها اضطرت أحيانا إلى تبنّي سلوك أكثر صرامة يوافق الصورة النمطية للسلطة المهنية، وقالت: "اعتدت أن أرتدي قناعا اجتماعيا أكثر ذكورية، وأن أتصرف مثل الرجال قليلا، حتى يكون لكلامي وزن أكبر وتسير الأمور بسرعة». كما لفتت إلى التفاوت في الوصول إلى الميزانيات والمشاريع الكبرى، فالمخرجات، حسبها، يجدن غالبا صعوبة أكبر في توفير الإمكانات اللازمة لأعمالهن، خصوصا في الفيلم الوثائقي.
ولم يتوقف النقاش عند تشخيص العقبات، بل امتد إلى قيمة التضامن المهني والتوجيه وتبادل الخبرات. فقد أبرزت أليس خروبي دور المهرجانات في خلق فضاءات للتعارف وبناء العلاقات المهنية، بما يتيح للنساء فرصا للتعاون والمرافقة. وقالت إن هذه المحطات جمعتها بنساء متميزات “لقد حظيت بلقاءات جميلة جدا، خاصة في المهرجانات، وأعتقد أن أجمل اللقاءات التي جمعتني بالآخرين كانت في كثير من الأحيان مع نساء”.
من جهتها، شددت مود أمسون، العاملة بسوق الفيلم في مهرجان كان، على أهمية الثقة والدعم المتبادل في بناء المسارات المهنية، ودعت إلى إجراء دراسات وإحصائيات دقيقة ترصد مواقع حضور المرأة وغيابها في الصناعة وتكشف فوارق الأجور والمسؤوليات. وأكدت أن معالجة الخلل تبدأ بمعرفة الواقع كما هو “يجب القيام بتقييم شامل للوضع، ومعرفة أين نحن اليوم، وما المناصب التي تشغلها النساء وتلك التي لا يحضرن فيها، مع دراسة مسألة الأجور أيضا”.
وعلى صعيد الآليات العملية، قدّمت المنتجة والمخرجة بينيتو فاي، مؤسسة “أفريك آرت بروغريس”، تجربة هيكلها في دعم السينمائيين الأفارقة، تشمل منحا دراسية وإقامات للكتابة وإقامة متخصصة في التأليف الموسيقي للأفلام، إلى جانب برامج التوجيه والمرافقة المهنية. وبيّنت أن هذه المبادرات مفتوحة لمترشحين من مختلف بلدان القارة، وأن الاختيار لا يقوم على اعتبارات شكلية بقدر ما يستند إلى قيمة التجارب والمشاريع والرؤية الفنية، مضيفة “ما يهمني هو طبيعة المواهب وما يمكن أن تقدمه، ورؤيتها الفنية ومدى أصالتها”.