ندوة “المثقف والتأثير”

السوسيولوجيا والهوية في مشروع عبد القادر جغلول

السوسيولوجيا والهوية في مشروع عبد القادر جغلول
  • 136
آية توازي آية توازي

في إطار فعاليات الصالون الدولي للكتاب في طبعته التاسعة والعشرين، احتضنت قاعة “الطاهر وطار” ندوة بعنوان «عبد القادر جغلول.. المثقف والتأثير»، استعرض خلالها ثلة من الأكاديميين والباحثين الأبعاد الإبستيمولوجية والسوسيولوجية والتاريخية التي طبعت مساره الفكري الحافل، مركزين على تفكيك بنيته المعرفية ومقارباته النقدية العميقة التي تجاوزت القوالب الجاهزة.

في هذا السياق، قدم الباحث زبير عروس قراءة نقدية متعمقة لمفهوم «المثقف العضوي» وموقع الانتماء الحضاري عند عبد القادر جغلول، مشيرا إلى إشكاليات مركزية تتعلق بطبيعة ترجمة نتاجات جغلول الفكرية وتلقيها، وتحليل إشكاليات الانتماء الثقافي واللغوي والهوية بين الموروث والوافد. ولفت عروس إلى أن نقل كتب جغلول من الفرنسية إلى العربية انطوى على أبعاد إبستيمولوجية وسياسية عميقة مرتبطة بالهوية والانتماء.

في السياق نفسه، سلط الأستاذ عبد الكريم العايدي الضوء على الجذور الإبستيمولوجية والفلسفية لجغلول، موضحا أن تكوينه لم يكن سوسيولوجيا أو أنثروبولوجيا تقليديا، بل كان تكوينا فلسفيا نقديا خالصا، مكنه من مقاربة قضايا المجتمع الجزائري برؤية جدلية شاملة تتجاوز القوالب الجاهزة والنظريات المستوردة، سواء كانت ماركسية أو ليبرالية.

وفي مداخلة قيمة تمحورت حول راهنية الفكر الخلدوني في الكتابات السوسيولوجية، أكد مصطفى كيحل أن مشروع جغلول الفكري يعد امتدادا طبيعيا لمدرسة سوسيولوجية عريقة تعود جذورها إلى مؤسسها الأول ابن خلدون. وأشار كيحل إلى كتاب جغلول المعنون «الإشكاليات التاريخية في علم الاجتماع السياسي عند ابن خلدون»، متطرقا إلى أبعاد أساسية تميز قراءة جغلول للتراث الخلدوني، أبرزها التساؤل عن مدى مشروعية طرح مسألة “الراهنية” اليوم، بالنظر إلى تماثل إشكاليات ابن خلدون، كصعود الدول وتفككها، مع التحولات الكبرى التي يعيشها العالم العربي المعاصر وتفكك أنظمته السياسية. كما ركز على اعتبار التحيين الخلدوني «طريقا ملكيا» للقطع مع التمركز الغربي ومقارعة الهيمنة المعرفية الغربية بأدوات نقدية أصيلة. وتناول الأستاذ نور الدين زمام من جامعة بسكرة، الذي ترجم له عدة مؤلفات، موضوع «عبد القادر جغلول وإعادة بناء المعرفة السوسيولوجية بالتاريخ والمجتمع الجزائري»، مؤكدا الربط الفريد والعميق الذي أقامه جغلول بين التاريخ وعلم الاجتماع، متجاوزا الحدود التقليدية الفاصلة بينهما. في السياق، قدّم الأستاذ مأمون حمداوي قراءة نقدية تناولت مفهوم النظرة الوطنية وموقف جغلول من قضايا الاغتراب والهوية، موضحا أنه تجاوز في كتاباته بالمنفى النظرة النقدية السطحية التي يحملها الفكر الفرنسي المزيف تجاه الجزائر، ليؤسس لنظرة وطنية تبحث عن إيقاعات وأشكال تاريخ المجتمع الجزائري، بعيدا عن الانصياع للإيديولوجيات الجاهزة.

وأشار حمداوي إلى أن جغلول عاش مرارة الاغتراب اللغوي والثقافي بوصفها حالة مرضية تستدعي العلاج لا التبني، رافضا «المزوجية اللغوية» و«الوهن الشقي للمثقف الكولونيالي»، وهو ما جعله يتماهى مع أطروحات فرانز فانون في تفكيك بنى الهيمنة. كما أبرز حمداوي مأساة العجز اللغوي لدى جغلول، حيث شكل عدم إتقانه العربية بمستوى لغة ابن خلدون هاجسا وقلقا دائمين بالنسبة إليه، رغم محاولاته الحثيثة لردم هذه الهوة الثقافية. واختتمت هذه المداخلات بالتأكيد على أن عبد القادر جغلول يعد قامة فكرية استثنائية في الذاكرة الوطنية، دعت إلى قراءة علمية ونقدية وموضوعية، وتظل العودة إلى منجزه الفكري ملحة وضرورية لاستيعاب التحولات المجتمعية الراهنة وفهم بنياتها العميقة، بعيدا عن التفسيرات السطحية الجاهزة.