من بوابة الجزائر

الدبلوماسية الثقافية القطرية تراهن على الإبداع الإنساني

الدبلوماسية الثقافية القطرية تراهن على الإبداع الإنساني
  • 216
دليلة مالك دليلة مالك

في تقاطع لافت بين الفن والثقافة والدبلوماسية، برزت جائزة الأخلاق لفن الخط العربي، بوصفها نموذجاً للمبادرات الثقافية الدولية التي تتجاوز حدود التنافس الإبداعي، لتفتح آفاقا جديدة للتواصل الحضاري وتبادل التجارب الفنية. وهو ما تناوله القطري عبد الرحمن الدليمي، خلال مداخلة بعنوان "المسابقات الدولية والدبلوماسية الثقافية: جائزة الأخلاق لفن الخط العربي نموذجا"، احتضنها فضاء "روح الباناف" برواق "فلسطين" في قصر المعارض بالعاصمة، ضمن الدورة التاسعة والعشرين من صالون الجزائر الدولي للكتاب.

أكد الدليمي، أن حضور وزارة الثقافة القطرية في هذه التظاهرة، من خلال التعريف بجائزة الأخلاق لفن الخط العربي، يأتي في سياق الاهتمام المتزايد بالمشهد الثقافي الجزائري، بالنظر إلى المشاركة اللافتة للخطاطين الجزائريين في الدورة الأولى من المنافسة، وهي المشاركة التي عكست، حسبه، المكانة التي يحظى بها فن الخط العربي في الجزائر، وما تزخر به من طاقات ومواهب إبداعية قادرة على المنافسة في المحافل الدولية.

وأوضح المتحدث، أن المشاركة الجزائرية القوية، وما رافقها من صدى واسع للجائزة، شكلا أحد أبرز الدوافع وراء الحضور القطري في هذا الموعد الثقافي، بما يعكس أهمية بناء جسور التواصل بين المؤسسات الثقافية والمبدعين، وتحويل المسابقات الفنية إلى فضاءات للتعارف والتفاعل وتبادل الخبرات، بعيدا عن الاقتصار على منطق التنافس وتوزيع الجوائز.

في هذا السياق، اعتبر الدليمي أن صالون الجزائر الدولي للكتاب، يشكل منصة مثالية لطرح الرؤى والتصورات المختلفة بشأن المسابقات الدولية، بالنظر إلى رمزيته الثقافية ومكانته، باعتباره فضاءً يجمع المثقفين والباحثين والفنانين والفاعلين في الحقل الإبداعي. وشدد على حرص الجهات الثقافية القطرية على الحضور في مثل هذه المنصات المرموقة، والعمل على تجسيد مشاركات سنوية، تضمن استمرارية التواصل الثقافي وتعزز فرص التعاون مع مختلف التجارب العربية والدولية.

وتكشف هذه الرؤية، عن بُعد يتجاوز التعريف بجائزة فنية متخصصة، إذ تندرج ضمن تصور أوسع للدبلوماسية الثقافية، التي تجعل من الفنون والآداب والتراث أدوات فعالة للتقارب بين الشعوب، وتعزيز الحضور الثقافي للدول على الساحة الدولية. فالخط العربي، بما يحمله من عمق تاريخي وجمالي وحضاري، لا يمثل مجرد ممارسة تشكيلية، بل يشكل لغة بصرية مشتركة، تختزن ذاكرة ثقافية ممتدة، وتتيح للمبدعين من مختلف البلدان، الالتقاء حول قيم الجمال والابتكار والهوية.

من جهة أخرى، لم تغب التحولات التكنولوجية عن النقاش، حيث تطرق الدليمي إلى مسألة توظيف الذكاء الاصطناعي في المجال الإبداعي، معتبرا أن هذه التكنولوجيا تضع المبدع وغير المبدع، في بعض جوانب الإنتاج، أمام إمكانات متقاربة، وهو ما يطرح تساؤلات جوهرية حول طبيعة الإبداع وحدود التدخل الآلي في العملية الفنية.

في هذا الشأن، دعا إلى التعامل مع الذكاء الاصطناعي بروح إيجابية وتقدمية، من خلال ممارسته بصورة صحيحة وواعية، بما يسمح بالاستفادة من إمكاناته، دون إغفال جوهر الإبداع الإنساني. فالتحدي، حسب ما يمكن استشفافه من هذا الطرح، لا يكمن في رفض التكنولوجيا أو الانغلاق أمام تطوراتها، وإنما في توجيهها نحو خدمة الإنسان وتعزيز قدراته، مع الحفاظ على خصوصية التجربة الإنسانية، وما تنطوي عليه من حس جمالي ورؤية ذاتية ووعي ثقافي.

ويكتسب هذا النقاش، أهمية خاصة في مجال الخط العربي، الذي يرتبط بمهارات دقيقة، تتداخل فيها المعرفة بقواعد الخط، والتمرس التقني، والحس الفني، والقدرة على ابتكار تكوينات جمالية ذات خصوصية. ومن ثم، فإن الاستعانة بالأدوات الرقمية والذكاء الاصطناعي، تظل مرتبطة بمدى قدرة المبدع على توظيفها ضمن رؤية فنية واعية، لا أن تتحول إلى بديل عن الخبرة والموهبة واللمسة الإنسانية.