المؤرخ عمار خوجة يستحضر تاريخ الأمير عبد القادر
الخلفيّته التاريخية للتطاول الفرنسي على الجزائر
- 970
مريم. ن
أكد المؤرخ عمار خوجة، خلال محاضرة ألقاها أول أمس بدار عبد اللطيف، أن المبادئ الإنسانية السامية التي قامت عليها الدولة الجزائرية بقيادة الأمير عبد القادر، هي نفسها التي اعتُمدت في حرب التحرير، بينما تشبثت فرنسا منذ الغزو، بهمجيتها وغطرستها وعنصريتها التي لم تتغير. ففي 2005 كان تمجيدها للاستعمار، ثم امتدت إلى تصريحات رئيسها الحالي، التي لا علاقة لها بالسياسة، ولا بالتاريخ والجغرافيا.
أجمع الحضور في هذه المحاضرة التاريخية؛ من مثقفين وسياسيين، على أن الرئيس الفرنسي ماكرون، تعدى على تاريخ الجزائر نتيجة جهله الفاضح به، موضحين أن هذا الشخص لم يستعن بالمؤرخين الفرنسيين المقتدرين والنزهاء، وهم كثر؛ بسبب تعرضهم الدائم للتهميش والتغييب، وعدم الظهور في وسائل الإعلام، بينما اكتفى بغير النزهاء، منهم من هم تابعون في ولائهم للمخزن المغربي. كما أكدوا أن ماكرون خلال ظهوره مع الشباب الإفريقيين، لم يكن مقنعا، علما أن من بين هؤلاء الشباب حفيد المجرم "سالون"، الذي قتل الجزائريين الأبرياء باسم الجزائر الفرنسية، وباسم اليد الحمراء الدموية. وتم بالمناسبة، الدعوة إلى التحلي بالقوة المعنوية والثقافية لمواجهة هذه الافتراءات والاعتداءات التي ليست وليدة اليوم. وقدّم المؤرخ الدكتور عمار بلخوجة محاضرة بعنوان "الأمير عبد القادر، اعترافات الأعداء والأصدقاء"، جمع فيها شهادات، أغلبها لخصوم الأمير، الذين شهدوا له بالمجد والفروسية ونبل القيم، وكلها من الأرشيف الفرنسي. ومن بين الشهادات شهادة فريمو صحفي ومرافق بيجو (1847)، الذي قال إن الأمير كان شخصا متزنا وواضحا، يؤكد أنه ضد غزاة بلده الجزائر، وليس ضد المسيحيين. وبالمقابل، كان الفرنسيون الغزاة يحملون الحقد ضد كل ما هو جزائري وعربي ومسلم، ليوضح المحاضر أن خطاب الأمير تجسَّد في مبادئ الثورة التحريرية، وتبنته جبهة التحرير الوطني، بينما عقيدة الغزاة بقيت راسخة عند الطرف الفرنسي، لم تتغير، لتظهر في 2005 في قانون تمجيد الاستعمار، الذي صادق عليه البرلمان الفرنسي، ثم في خطاب ماكرون.
وقال المحاضر إن الغزاة الفرنسيين جلبوا معهم الأمراض، منها السل والكوليرا والسعال الديكي، وغيرها، وكانت ثيابهم رثة؛ نهبوا خيرات الجزائر، وأبادوا جل شعبها. ومن الذين شهدوا للأمير والجزائر مستشار العسكريين الفرنسيين لويس فييو، الذي أكد أن الأمير رجل أسس دولة بمؤسساتها؛ كمجلس الشورى، ومجلس الوزراء وغيرها. ووصف الأمير بالرجل المثقف، الذي لا ينام قبل أن يقرأ كتابا. كما أشار إلى أن جنديا ألمانيا أتى مع الغزاة، شهد أن الأمير كان خطابه على أساس الحقوق وليس على أساس ديني محض، وكان ديبلوماسيا سلسا، لا يؤدي بجنوده إلى التهلكة. وقال المحاضر إن الأمير اخترع حرب العصابات التي اتبعها فيما بعد المقاومون، منهم عبد الكريم الخطابي. كما استحضر الدكتور بلخوجة مقولة كاتب ياسين: "إن هزيمة الأمير كانت بشرف. وانتصار فرنسا كان بلا شرف". وقدّم شهادات أخرى؛ منها شهادة ألكس بارمان من منطقة سيفي، الذي قال إن الأمير كان يعيش في ملحقات قصر تولون في الجوع والبرد والإهانة. كما تناول المحاضر تراث الأمير، منه مكتبته، وصناعته الحربية، وزمالته التي أبهرت العالم، ومعاملته للأسرى، حيث كان يداويهم، ويجلب لهم الجرائد، وكلهم شهدوا له؛ ما دفع بالجنرالات إلى ترحيلهم فيما بعد إلى باريس حتى لا يؤثروا على الجيش الاستعماري، ولا يُعجبوا بالأمير، ولا بالجزائريين الذين كانوا يوصفون بالبرابرة الوحوش.
كما جرى الحديث عن شهامة الأمير وفروسيته، منها انتشال جثة ابن أخيه، 16 ربيعا، من قلب المعركة في وهران، ليتمكن من دفنه، وكذا مناظراته مع المفكرين الفرنسيين، وزهده في مأكله وملبسه، وكذا حبه للفنون. وكانت المناقشة التي تلت المحاضرة حامية الوطيس؛ حيث دافع المتدخلون عن الأمة الجزائرية الراسخة عبر الزمن. ودافع البعض عن براءة الأمير من الماسونية؛ فمن يكتب، حسبهم، "المواقف"، يستحيل عليه أن ينضم لهذه الجهة، كما يستحيل أن تجمعه بأعدائه، ليتفق الجميع على ضرورة إبراز وتبليغ تاريخ الأمير، خاصة في آثاره، منها مواقع الزمالة المعتدى عليها، ومقر إقامته بالغزوات، وغيرها، وضرورة إدخاله المناهج التربوية. وتَدخّل، بالمناسبة، السيد الطيب هواري رئيس منظمة أبناء الشهداء، الذي اتهم أطرافا في الجزائر كان يزعجها تاريخ الأمير؛ لذلك همشته وحاربته. وقال إن لديه أدلة على ذلك، بعضها وثائق تحتفظ بها المناضلة زهرة ظريف، واليوم لا بد أن يثمَّن هذا التاريخ، وأن يتوحد حوله الشعب الواحد ليواجه أعداءه.