بين الأصالة والمعاصرة
الخط العربي في "سيلا 2026 "
- 148
آية توازي
احتضن الصالون الدولي للكتاب في طبعته التاسعة والعشرين " سيلا 2026 " ، حراكا فكريا ونقديا لافتا، يهدف إلى تأصيل فن الخط العربي و " الحروفية "، ونقل هذا الإرث العريق من قاعات العرض إلى رحاب الدراسات الأكاديمية. وتأتي الإصدارات النوعية الحاضرة في المعرض لتوثيق تجارب الخطاطين الجزائريين، وتأكيد مكانة الحرف العربي؛ بوصفه رافدا أصيلا من روافد الهوية الوطنية.
يُعدّ كتاب " الخط العربي في الجزائر بين الواقع والمأمول " للأستاذ الدكتور خالد خالدي الصادر عن دار النشر " صوت الكتب "، إنجازا بارزا؛ باعتباره أول كتاب في الجزائر يجمع بين ضلعي هذا الفن الجميل: فن الخط الكلاسيكي بقواعده الصارمة، وفن الحروفية المعاصرة.
وقد أوضح خالد خالدي لـ " المساء " أن الكتاب يتضمن ثلاثة فصول رئيسية صُممت بعناية لتغطي مختلف جوانب هذا الفن.
وانطلق الفصل الأول بعرض تأصيلي وتعريفي بمجال الخط العربي، مستعرضا أواصر ارتباطه بالمغرب العربي، وخصوصيته الفريدة في الجزائر.
وتعمَّق الفصل الثاني في دراسة شاملة لكتابة المصاحف الشريفة في البلاد، مع التركيز المكثف على الجانب الأكاديمي للخط المبسوط الجزائري، فضلا عن تقديم جرد شامل لأبرز الأسماء التي طبعت مسار الخط الكلاسيكي.
أما الفصل الثالث والأخير فقد غاص في عوالم " الخط العربي المعاصر " أو ما يُعرف اصطلاحا بالحروفية؛ ذلك الفن الساحر الذي استهوت جمالياته حتى الفنانين الغربيين وبعض الأجانب غير المسلمين الذين أُبهروا بجماليات الحرف العربي، فوظفوه ببراعة في أعمالهم ولوحاتهم التشكيلية.
وفي مسار متصل، يبرز الإسهام الأكاديمي والفني المتميز للأستاذ كور نور الدين الفنان التشكيلي والحروفي البارز، من خلال مشاركته بإصدار مهم ضمن سلاسل " المركز الوطني للبحوث في عصور ما قبل التاريخ وعلم الإنسان والتاريخ ". ويحمل هذا الإصدار عنوان " حروفيات تراثية في حروفيات الخط العربي " . ويُعد إضافة نوعية إلى المكتبة الفنية؛ إذ يقدم دراسة تحليلية مقارنة، تتناول تفاصيل فن الحروفية، وتصنيفاته المختلفة.
وقد حرص المؤلف على تقسيم المدارس الخطية وتصنيفها بدقة، من خلال إطلاق مسميات واضحة على اللوحات حسب طبيعتها، مثل " الثلوثيات " لخط الثلث، و " الفارسيات " لفنون الخط الفارسي، مبرزا خصائص كل مدرسة على حدة.
ووضع الأستاذ كور معايير نقدية وأكاديمية واضحة المعالم لتقييم أي لوحة حروفية، والحكم على جودتها، تتلخص أساسا في أربعة عناصر رئيسية لا غنى عنها؛ أولها أن يظهر الخط العربي بقوة وثبات بصري، يعكسان قواعده الأصيلة داخل اللوحة. وثانيها أن تتكامل مجموعة من العناصر الفنية المرتبطة بالخط، مثل الزخارف، والنقاط الدقيقة، والتشكيلات الجمالية المتناسقة. وثالثها استخدام اللون بوصفه أداة بصرية فاعلة وموضوعية، تميز بوضوح بين رصانة المدرسة الكلاسيكية وحرية المدرسة الحروفية، وتنوعها؛ إذ يعتمد الخطاط الكلاسيكي غالبا على القصبة والمداد، بينما تطفو على اللوحة الحروفية ألوان وتركيبات بصرية متطورة.
أما العنصر الرابع والأخير فيتمثل في الأسلوب الفني الخاص بالخطاط؛ بحيث تحمل اللوحة بصمة فريدة تميز صاحبها، وتكشف هويته الفنية بمجرد النظر إليها. وتؤكد هذه الإصدارات والدراسات الميدانية أن الخط العربي لم يعد اليوم، مجرد هواية شخصية أو مهارة فردية عابرة، بل تحوّل إلى مادة علمية خصبة للبحث الأكاديمي في كبرى الجامعات الجزائرية، مثل جامعة أبي بكر بلقايد بتلمسان، وجامعة ابن خلدون بتيارت، وجامعة قسنطينة 3، وجامعة أحمد بن بلة بوهران.
كما إن الجهود المستمرة لإعداد مشاريع موسوعية كبرى قادمة، تضم مجلدات ضخمة قد تصل إلى آلاف الصفحات لتوثيق السير الذاتية والفنية لعدد هائل من الخطاطين والحروفيين والتشكيليين الجزائريين، تبشر بمستقبل واعد.
وتُعد هذه المشاريع التي يشرف عليها نخبة من الأساتذة والباحثين، مثل الأستاذ خالد خالدي والأستاذ كور نور الدين، لبنة أساسية تضاف إلى صرح الثقافة الوطنية التي تتشكل منها الهوية البصرية والحضارية للجزائر، مؤكدة أن الحرف العربي سيبقى حيا وشامخا في ذاكرة الأجيال المتعاقبة.