المخرج أنيس جعاد لـ "المساء"

الجزائر حاضرة دوماً في أعمالي وأرفض الفن الاستعجاليّ

الجزائر حاضرة دوماً في أعمالي وأرفض الفن الاستعجاليّ
  • 959
حاورته: لطيفة داريب حاورته: لطيفة داريب

التقت “المساء” بالمخرج السينمائي أنيس جعاد على هامش حضوره ندوة نشطها الكاتب الصحفي نجيب اسطمبولي مؤخرا بالبليدة، وطرحت عليه أسئلة حول العديد من المواضيع. كما تحدثت معه عن فوزه بجائزة أفضل فيلم روائي بفرنسا، فكان هذا الحوار.

حدثنا عن الجائزة التي تحصلت عليها مؤخرا من خلال فيلمك “ما بعد الحياة”؟

❊❊ ظفرت بجائزة بوعماري - فوتيي لأفضل فيلم روائي في المسابقة التي نظمتها جمعية فرنسا ـ الجزائر، خلال الحفل الذي احتضنه معهد العالم العربي بباريس.. ولا تهمني الجائزة بقدر ما يهمني عرض الفيلم أمام الجمهور، خاصة إذا تعلق الأمر بالجالية الجزائرية بفرنسا، التي يجب أن تبقى على تواصل مع بلدها الأم من خلال الثقافة. قيل لي إن الفيلم عُرض أمام جمهور اغتصت به قاعة المعهد. ونال الإعجاب بشكل كبير، وقد سرّني ذلك كثيرا. وبالمقابل، شارك في المسابقة جزائريون مقيمون بالجزائر، وآخرون يقطنون خارجها، وتحديدا بستة أفلام روائية، وثلاثة وثائقية.

ذكرت، كذا مرة، رفضك التام ما أسميته بـ “الفن الاستعجالي”، ما مردّ ذلك؟

❊❊ مثل ما سمعت في النقاش الذي دار مع الكاتب الصحفي نجيب اسطمبولي والحضور في الندوة التي نشطها حول مؤلفاته بالبليدة، توصلنا إلى نتيجة مفادها أن تقديم أعمال غير ناضجة بما فيه الكفاية، يضعنا في خانة “التسفيف”، أي أن جميع من يستعجل صنع عمل فني ما بدون أن يأخذ كامل وقته، لا يمكنه أن يقدم بذلك منتوجا عميقا، يستنبط من خلاله رسائل تصل إلى الجمهور بشكل صحيح، لهذا أنا ضد الفن الاستعجالي والأدب الاستعجالي، ومع كل عمل يأخذ صاحبه الوقت الكافي لبلورته، وتحليله، والغوص في أعماقه.. نعم أنتقد هذه الاستعجالية في الإنجاز.

ربما الفن الاستعجالي ثمرة ضعف التمويل الذي يعاني منه أغلب المخرجين السينمائيين والمسرحيين؟

❊❊ لا أوافق هذا الرأي. تعلمنا عمل الأشياء بسرعة أو باستعجال، لا أدري لماذا؟ نحن لم نتحصل على 100 مليار سنتيم لعمل فيلم “ما بعد الحياة”، بل نلنا 5 ملايير سنتيم، وأنجزنا فيلما جيدا حسب النقاد والجمهور. وأخذنا كل وقتنا لإنجاز عمل لقي استحسان كل من شاهده، فقد قمنا بالتحضير المناسب له، وكتبته في فترة تجاوزت العام، لأنني غير مستعجل، وأحب إتقان عملي.. حقا، أرفض رفضا قاطعا، صنع فيلم في 20 يوما، أو إنجاز مسرحية في 10 أيام، هذا غير ممكن إطلاقا!

انتقلت من كتابة وإخراج الأفلام القصيرة إلى كتابة وإخراج فيلم طويل، حدثنا عن هذه النقلة.

❊❊ أعتقد أن الانتقال من كتابة وإخراج أفلام قصيرة إلى فعل نفس الشيء بالنسبة لفيلم طويل، عادي.. فالمشكل ليس هنا، لأن طريقة إنجاز فيلم هي نفسها، سواء كان طويلا أم قصيرا، الفرق بينهما يتمثل في الصمود، لأنه ليس يسيرا أن تُعد لفيلم لمدة شهرين ونصف شهر من التحضير، خاصة أن تصوير المشاهد قد يكون، أيضا، في الليل، لهذا يجب أن يكون المخرج قويا وصامدا.

تتطرق دائما في أفلامك لمواضيع اجتماعية، هل يعني ذلك إيمانك بتقديم رسائل تمس المجتمع في الصميم؟

❊❊ لا أعتقد أن الخيط المشترك في مَشاهد الفيلم يحمل صبغة اجتماعية، بل تتابع المشاهد يكون بشكل خيالي، لأن الفيلم روائي، لكن ربما في فيلمي الأخير “ما بعد الحياة”، بحكم أن موضوعه حول امرأة مع ابنها يحاولان بناء حياتهما من جديد بعد اغتيال إرهابيين رب العائلة في قرية نائية، يُنظر إليه على أنه فيلم اجتماعي.

تُصر دائما على أن تكون مواضيع أفلامك حول الجزائر، هل يمكن لأنيس أن ينجز فيلما مختلفا؟

❊❊ عشت في باريس عشر سنوات كاملة، ولم أستطع أن أكتب سيناريو عن فرنسيين، لأنني جزائري، ففي فيلمي القصير “رحلة كلثوم” كتبت عن عائلة جزائرية مقيمة بفرنسا منذ ثلاثين سنة، وأنجبت أبناءها في فرنسا، وهكذا هي كل أفلامي.

كتبت سيناريوهات كل أفلامك، هل معنى هذا أنك لا تثق في كتابات الآخرين؟

❊❊ ليست قضية ثقة، لقد عُرض عليّ، أكثر من مرة، إخراج أفلام كتبتها أقلام أخرى، لكنني رفضت لأنني، بكل بساطة، لا أستطيع، وهذا بحكم العلاقة التي أراها بين الكتابة والصورة، لهذا لا أستطيع تصوير فكرة شخص آخر، ليس لأنني لا أثق في الآخرين ولا أزعم أنني أقدّم علما من خلال أفلامي، أنا هكذا. وأعتقد أنني أمرر رسائلي بشكل أفضل حينما أكتب سيناريو أفلامي.

ماذا عن تحضيرات فيلمك الجديد “أرض الانتقام”؟

❊❊ لقد حضّرتُ لفيلمي الجديد “أرض الانتقام”، وأخص بالذكر السيناريو وتوزيع الأدوار، لكنني أنتظر الدعم، خاصة بعد إغلاق صندوق الدعم “فيداتاك”، حيث بلغني أنه سيتم وضع ميكانزيم جديد خاص بدعم الأفلام، وأنا أنتظره. والفيلم هو ثمرة ورشة “ميدي تالون” (المواهب المتوسطية). وفاز بمنحة خاصة في مهرجان “سيني ماد” من بين 14 مشروعا لمؤلفين من منطقة البحر المتوسط. ومع ذلك أحاول إيجاد تمويل متنوع مثل ما فعلت في فيلم “ما بعد الحياة”.

تقصد أنك اعتمدت، أيضا، على التمويل الخاص في فيلمك الروائي “ما بعد الحياة”؟

❊❊ لا، ليس كذلك،  فقد دُعم الفيلم من طرف صندوق الدعم لوزارة الثقافة. وأنهيت تصوير المشاهد قبل الجائحة. وحينما حلت علينا هذه الأخيرة كنت في فرنسا، وتلقيت دعما من كل من “سينما العالم” و"ريجيون إيل دون فرانس”، وإلا لتوقف الفيلم خلال عملية التركيب.

وفي هذا السياق، أؤكد دعمي للتعامل مع المؤسسات الأجنبية لإنجاز الفيلم شرط أن يكون الدعم وطنيا بنسبة لا تقل عن 70 ٪، وهكذا سيتم تقديم المزيد من الأفلام، وعرضها أمام الجمهور، فأنا جزائري، وأنجز أفلاما جزائرية. وكل السينمائيين يبحثون عن التمويل من مختلف الجهات.

قلت إنك لا تستطيع الكتابة بدون أن تتخيل المشاهد، لكن صدرت لك روايتان، حدثنا عن ذلك؟

❊❊ بدأت في كتابة سيناريو الأفلام القصيرة قبل أن أكتب روايتين، كان ذلك في منتصف التسعينيات حينما تراجع الإنتاج السينمائي بشكل رهيب، بل لنقل إنه توقف تماما! فلجأت إلى الصحافة، ثم الرواية، لكنني لم أستطع أن أكتب رواية وسيناريو في آن واحد، لأن الكتابة الروائية لا تخضع لنفس شروط كتابة السيناريو. هذه الأخيرة تتطلب ضوابط من أجل تصور المشاهد. حقيقة، أجد نفسي كثيرا في كتابة السناريو.


من هو أنيس جعاد؟

أنيس جعاد صحفي وكاتب سيناريو، كتب وأخرج ثلاثة أفلام قصيرة، هي “الكوة”، و"مفرق طريق”، و"رحلة كلثوم” التي شارك بها في العديد من المهرجانات الدولية في تونس وفرنسا والأردن، بالإضافة إلى العديد من التظاهرات في الجزائر. كما ألّف روايتين: “رائحة الكمان”، و"الصباحات الباريسية”. وظفر، مؤخرا، بجائزة أفضل فيلم روائي في المسابقة التي نظمتها جمعية فرنسا الجزائر بمساعدة من المعاهد الفرنسية بالجزائر، وسفارة فرنسا بالجزائر.