تواصل ملتقى الممثل في المسرح الجزائري
التكوين والتشاركية وتدريبات الركح في صلب النقاش
- 203
دليلة مالك
واصل الملتقى الفكري حول الممثل في المسرح الجزائري، ضمن برنامج “أيام بن قطاف المسرحية” بولاية النعامة، أشغاله في يومه الثاني، من خلال مداخلات علمية، قاربت قضايا التكوين الأكاديمي، وطبيعة العلاقة الإبداعية بين المخرج والممثل، وإشكالية غياب تدريبات الممثل عن اهتمامات النقد المسرحي. شكلت هذه المحاور، مساحة للنقاش حول سبل تطوير الأداء التمثيلي، وتثمين التجربة المسرحية الجزائرية، وتعزيز مكانة الممثل، باعتباره شريكا أساسيا في صناعة العرض وإنتاج دلالاته الجمالية والفكرية.
مالك العقون وتجربة التكوين الأكاديمي
توقف الدكتور محمد بوكراس عند تجربة التكوين الأكاديمي للممثل، بالمعهد العالي لمهن فنون العرض في الجزائر، من خلال دراسة تطبيقية لمنهج الأستاذ المكون، مالك العقون، معتبرًا أن التكوين يشكل قاعدة أساسية لبناء الممثل وصقل أدواته الفنية. واستعرض مسار تدريس التمثيل بالمعهد منذ تأسيسه، مع إبراز إسهامات الأساتذة الجزائريين والأجانب في تأطير الأجيال الأولى، إلى جانب اعتماد منهج ستانيسلافسكي، والاستفادة من تحولاته المختلفة، بما يتلاءم مع متطلبات التكوين المسرحي.
وركزت المداخلة على تدرج العملية التكوينية، بداية من تخليص الطلبة من القوالب الأدائية الجاهزة والحركات والأصوات المصطنعة، وصولا إلى اكتشاف قدراتهم الفردية وتنمية وعيهم بأجسادهم وأصواتهم وانفعالاتهم. ففي السنة الأولى، ينصب التدريب على التمارين الصامتة والإصغاء والتنفس والحركة ودقة الملاحظة وتطوير الخيال، بما يمنح الجسد قدرة على التعبير، بعيدًا عن الاعتماد على اللغة المنطوقة. أما السنة الثانية، فتنتقل إلى تحليل النصوص وفهم ظروفها الدرامية وما وراء دلالاتها، مع تطوير الأفعال الجسدية واللفظية وتعزيز الإصغاء إلى الشريك فوق الركح.
وأكد بوكراس، أهمية التكامل بين مادة التمثيل والتخصصات المرافقة، على غرار التعبير الجسدي والرقص وفن الإلقاء، في إعداد ممثل متكامل الأدوات. كما أبرز خصوصية دور الأستاذ المكون، الذي يتولى متابعة الطلبة وتطوير قدراتهم وإشراكهم في الإنتاج المسرحي، مهما تفاوتت مستوياتهم، داعيًا إلى توثيق تجارب التكوين الأكاديمي، باعتبارها رصيدًا معرفيًا وفنيًا، يمكن الاستناد إليه في تطوير مناهج إعداد الممثل بالجزائر.
العلاقة بين المخرج والممثل.. من الهيمنة إلى التشاركية
من زاوية أخرى، بحثت مداخلة الدكتورة ليلى بن عائشة، الموسومة بـ«جدلية العلاقة بين المخرج والممثل في المسرح الحديث والمعاصر: قراءة في التجربة المسرحية الجزائرية”، تحولات العلاقة الإبداعية بين الطرفين، من النموذج القائم على هيمنة المخرج وتفرده بالقرار الفني، إلى مقاربة تشاركية تمنح الممثل مساحة أوسع، للمساهمة في بناء الشخصية وصياغة الرؤية الإخراجية. وأبرزت المداخلة، أن الممثل لم يعد مجرد منفذ للتعليمات، بل فاعل إبداعي يشارك في إنتاج المعنى وتشكيل جماليات العرض، انسجامًا مع التحولات التي يعرفها المسرح المعاصر، لاسيما مسرح ما بعد الدراما.
واستحضر الباحث خصوصية التجربة الجزائرية، التي ارتبطت منذ بداياتها بالتجريب والعمل الجماعي، مشيرًا إلى أن التأليف الجماعي رافقته في محطات عديدة، ممارسات تقوم على الإخراج والإبداع الجماعيين. كما استند إلى تجربتي عبد القادر علولة وعبد الرحمن كاكي، وما تميزتا به من استثمار للتراث الشعبي والحلقة، في بناء علاقة تفاعلية بين المؤدي والجمهور، معتبرًا أن هذه المرجعيات تمنح المسرح الجزائري إمكانات مهمة للانفتاح على أشكال الأداء التشاركي المعاصر.
وشددت المداخلة، على ضرورة ترسيخ الدراماتورجيا التشاركية، القائمة على الحوار والثقة وتكامل الأدوار بين المخرج والممثل والمؤلف، مع الحفاظ على وحدة الرؤية الفنية وروح النص. كما دعت إلى تعميق البحث النقدي في التجارب الجزائرية وتوثيق منجزها، بما يساهم في بلورة هوية مسرحية متجددة، تحمي استقلالية الإبداع وتمنح الجماليات الفنية الأولوية في بناء العرض.
خلاف يدعو إلى توثيق تدريبات الممثل
أما الباحث والمهتم بالشأن المسرحي، ناصر خلاف، فقد خصص مداخلته لإشكالية غياب تدريبات الممثل عن اهتمامات النقد المسرحي في الجزائر، والعالم العربي، منتقدًا تركيز الدراسات النقدية على العرض النهائي، مقابل إغفال المسار الطويل الذي يقطعه الممثل في بناء الشخصية، واختبار الحلول الأدائية وتطوير أدواته الفنية. وطرح المتدخل تساؤلات حول طبيعة التدريب وموقعه في العملية الإبداعية، ومدى اهتمام النقاد بتوثيق مختلف مراحل الإنتاج، من اختبارات اختيار الممثلين وقراءة النص، إلى البروفات والعروض أمام الجمهور.
واعتبر خلاف أن تناول الممثل بصيغة الجمع، باعتباره كتلة أدائية موحدة، يحجب خصوصيته الفردية ويقلل من قيمة إسهامه في تشكيل العرض. في هذا السياق، أبرز أهمية التدريبات باعتبارها مختبرًا لاكتشاف الشخصيات وتوليد المعاني، مشيرًا إلى الدور الذي تؤديه قراءة الطاولة في مناقشة النص وتحليل الشخصيات، وتوحيد تصورات فريق العمل، قبل الانتقال إلى التجسيد الركحي. كما استحضر تجربة عبد القادر علولة في توجيه الممثلين، لإبراز قيمة الحوار والملاحظة والتجريب في تطوير الأداء، بعيدا عن الاقتصار على التعليمات المباشرة.
في ختام مداخلته، دعا الباحث إلى تجاوز المقاربات النقدية التقليدية، نحو دراسة معمقة لمسار التدريب وما ينطوي عليه، من بحث ومكابدة وتجريب وتفاعل بين الممثل والمخرج. كما شدد على ضرورة إتاحة البروفات أمام الباحثين والنقاد، وتشجيع الممثلين على تدوين تجاربهم وتوثيق يومياتهم وشهاداتهم، بما يجعلها مصادر أساسية لإثراء المعرفة المسرحية. واعتبر أن إنصاف الممثل يمر عبر الاعتراف به شريكًا في صناعة العرض، وإيلاء مراحل تكوينه وتطوره الفني، المكانة التي تستحقها في البحث الأكاديمي والممارسة النقدية.
* مبعوثة “المساء” إلى النعامة: دليلة مالك