الباحث سليم سوهالي لـ”المساء”:

التراث المنهوب.. ذاكرة شعوب تسكن متاحف الآخرين

التراث المنهوب.. ذاكرة شعوب تسكن متاحف الآخرين
  • 608
لطيفة داريب لطيفة داريب

أشار الباحث سليم سوهالي، في حديثه لـ"المساء”، إلى عودة ملف التراث المنهوب بقوة إلى الواجهة، في السنوات الأخيرة، خاصة بعد تصاعد المطالب الدولية بإعادة القطع التي خرجت من البلدان النامية، خلال الحقبة الاستعمارية. مضيفا أنه بينما يتجادل البعض حول ملكية هذا التراث، أو نسب حضارات معينة، تعيش دول كثيرة واقعا مريرا، يتمثل في عرض جزء كبير من تاريخها في متاحف بعيدة، خلف زجاج بارد، يرويه آخرون بلهجة لا تشبه لهجة أصحابه الأصليين.

أكد الباحث سليم سوهالي، عدم إمكانية اختزال التراث في تمثال أو نقش أو قناع، فهوية الشعوب وذاكرتها تتجسد في هذه القطع، التي تروي قصة الإنسان عبر آلاف السنين، لكنها تتحول إلى قصة مبتورة حينما تغادر هذه الذاكرة أرضها.

وأضاف في حديثه لـ"المساء”، أن تقديرات “اليونسكو”، تشير إلى أن 90٪ من التراث الإفريقي يوجد اليوم خارج القارة. فالمتحف البريطاني وحده يحتفظ بآلاف القطع التي حصل عليها، خلال فترات توسع الإمبراطورية. أما المتاحف الفرنسية والألمانية والإيطالية، فتضم مجموعات ضخمة من آثار شمال إفريقيا، دون وثائق كاملة حول كيفية خروجها.

وتابع أن هذه الأرقام تعكس حجم المشكلة، وتكشف أن القضية ليست استثنائية، بل ظاهرة عالمية منهجية، بدأت في القرن التاسع عشر، وما تزال آثارها قائمة، ليتساءل “كيف بدأ الصراع على التراث؟”، ويستأنف قوله، بأن التراث أصبح اليوم جزءا من صراع أوسع حول الهوية والرواية التاريخية.

واعتبر الأستاذ أن الجهل بالتاريخ، إلى جانب الصراعات السياسية والرمزية، يجعل من أي قطعة أثرية سببا للنزاع، لكن جذور المشكلة أعمق من ذلك، وتعود إلى عدة عوامل وهي: الإرث الاستعماري، فمن خلال الاحتلال، خرجت آلاف القطع من إفريقيا وآسيا وأمريكا اللاتينية تحت غطاء “البعثات العلمية”، بعضها سُرق مباشرة، وبعضها “أُهدي” تحت الضغط، وبعضها جرى نقله بلا أي تسجيل رسمي.

أيضا هناك عامل  ياب الحصانة الثقافية، فضعف المؤسسات الثقافية في الدول النامية آنذاك، وغياب القوانين، جعل من السهل السيطرة على التراث ونقله دون مساءلة. بينما ذكر سوهالي العامل الثالث، والمتمثل في الصراع حول الهوية اليوم، فمع صعود الخطابات القومية وتزايد التوترات الثقافية، أصبح التراث مادة للجدل بين الشعوب نفسها. فأحيانا يتم ادعاء نسب حضارات كاملة من طرف جماعات، لا تربطها بها علاقة حقيقية. وهذا يحدث كثيرا في غياب التاريخ العلمي والعمل الأكاديمي المستقل.

وقدم الباحث عدة أمثلة تُمثل هذه الأزمة، مثلما حدث في مدينة بنين النيجيرية، التي تعرضت عام 1897، لهجوم بريطاني عسكري، أدى إلى نهب أكثر من 4000 قطعة فنية، هي الآن موزعة على متاحف في بريطانيا وألمانيا وهولندا. وبعد سنوات طويلة من الضغط، بدأت بعض الدول الغربية إعادة جزء منها، وإن كان ذلك ببطء شديد.

مثال آخر قدمة سوهالي، يتعلق بالمومياوات والبرديات المصرية، فالكثير منها خرج دون تراخيص واضحة، ويُعرض في متاحف أوروبا وأمريكا. لتخوض القاهرة معارك طويلة من أجل استعادتها، عبر مفاوضات واتفاقيات ثقافية، ما تزال جارية إلى حد الآن.

نفس الأمر حدث مع تراث شمال إفريقيا، من قطع نوميدية ورومانية، إلى نقوش بونية وأقنعة محلية موجود الكثير منها في باريس وروما وبرلين ولندن. فيما تشكو متاحف محلية من نقص القطع التي تحكي قصة المنطقة عبر العصور. ليتساءل الباحث مجددا: “لماذا ترفض المتاحف الغربية إعادة التراث؟”.

وذكر سوهالي أن رغم وجود خطاب إنساني ضد هذ السرقات، إلا أن أسبابها الحقيقة مركبة، والبداية بأهمية المكسب الاقتصادي، فالقطع المنهوبة تجذب الزوار وتدر أرباحا ضخمة للمؤسسات الثقافية. كما أن بعض المتاحف تعتمد ماليا على هذه القطع، لذا لا ترغب في التخلي عنها بسهولة.

السبب الثاني، حسب الأستاذ، هو الثغرات القانونية، فاتفاقية “اليونسكو 1970” لا تشمل القطع التي خرجت قبل صدورها، وهي ثغرة تستفيد منها المتاحف الكبرى. أما السبب الثالث، فهو دعاء الحفاظ الأفضل، حيث تقول بعض المتاحف، إنها “تحمي” التراث من سوء الحفظ، وكأنها وصية عليه.

حلول بتوقيع سوهالي

قدم سوهالي بالمناسبة، عدة حلول حول هذه الإشكالية العويصة، محاولا الإجابة على السؤال التالي: “ما الذي يمكن للدول النامية فعله؟”، ليجيب أنه يجب في هذا الحال، تأسيس ملفات قانونية قوية، فعلى كل دولة إنشاء قاعدة بيانات مفصلة للقطع المفقودة، تشمل صورا أرشيفية وشهادات ملكية وتقارير بعثات التنقيب، ومعلومات دقيقة عن كيفية خروج القطعة، وهي ملفات ضرورية في أي معركة لاسترجاع الكنوز المنهوبة.

وطالب سوهالي أيضا، برقمنة التراث من خلال استخدام تكنولوجيا ثلاثية الأبعاد، لتوثيق القطع الموجودة والمفقودة، وبناء أرشيف وطني رقمي، يفيد في حفظ البيانات وتعزيز البحوث وتقديم أدلة في المحاكم والمحافل الثقافية، بالإضافة إلى إنشاء لجان استرجاع مستقلة، تشمل مؤرخين ومحامين وخبراء دبلوماسية. وهي لجان تعمل بشكل دائم على التواصل مع الحكومات والمتاحف الأجنبية.

ودعا الأستاذ أيضا، إلى ضرورة تطوير المتاحف المحلية، عبر تحسين بنية المتاحف وتدريب موظفيها، وتوفير أنظمة الحفظ الحديثة، وهي كلها عوامل تعزز موقف الدولة في المفاوضات. علاوة على الزامية دعم الإعلام والتحقيقات الصحفية، فالكلمة المكتوبة قد تغير الكثير، وحملات الضغط الإعلامي أجبرت عدة متاحف أوروبية على إعادة قطع لنيجيريا وإثيوبيا. لتصبح الصحافة جزءا من الحل، لا مجرد مراقب.

وواصل سوهالي في ذكر الحلول حول هذه الأزمة العويصة، فتحدث عن خطوة اعتماد الدبلوماسية الثقافية، حيث يمكن عقد اتفاقيات تبادل أو إعارات طويلة الأمد، وهو مسار عملي، يتيح عودة بعض القطع بشكل قانوني وسريع. وكذا إدماج التراث في التعليم، لأن الشعوب التي لا تعرف قيمة تراثها، لن تدافع عنه، لهذا يجب إدراج محتوى بصري وتفاعلي في المدارس، وإنتاج أفلام وثائقية، ودعم المتاحف الجهوية والقروية، وتشجيع الخواص على إنشاء متاحف خاصة لحماية الموروث. 

ذاكرة يجب أن تعود إلى أصحابها

اعتبر سوهالي أن استعادة التراث ليست مجرد عملية نقل للقطع من بلد إلى آخر، بل هي استعادة لحق الشعوب في رواية تاريخها. فلم يعد مقبولا أن تبقى ذاكرة أمم كاملة خارج حدودها، أو أن تبقى رهينة روايات أُنتجت في سياقات استعمارية قديمة.

وأضاف أن الدول النامية اليوم، هي أمام  فرصة حقيقية لتعيد تشكيل حاضرها، عبر حماية ماضيها. فالتراث ليس مجرد جزء من التاريخ… بل جزء من الوجود نفسه، ولعل الخطوة الأولى نحو العدالة التاريخية، هي تنظيم لقاء جامع للدول المنهوبة، تتوحد فيه الرؤى قبل أن تتوحد الجهود لاستعادة الذاكرة المسروقة. ليتمنى أن تكون السلطات الجزائرية السباقة في تنظيم  ملتقى خاص ببلدان إفريقيا لهذا الغرض.