الدكتورة لطيفة بورابة تقدم ندوة بقصر "حسين داي":
التراث المعماري للقصبة استثنائي
- 134
لطيفة داريب
أكدت الدكتورة لطيفة بورابة، خلال المحاضرة التي قدمتها، أول أمس، بقصر "حسين داي"، تميز قصبة الجزائر وافترادها بتراث معماري، لا توجد في منطقة أخرى، سواء خارج الجزائر أو حتى داخلها، مثل وجود أعين داخل الأحياء، وتشييد مساكن بشكل غير نظامي لاستقطاب الضوء، وبناء أنفاق (صباط) غير مرتفعة، وغيرها من المميزات، مؤكدة في ذلك، عراقة الفن الجزائري الذي يعود إلى فترات بعيدة قبل الوجود العثماني في المنطقة.
"التراث المعماري بمدينة الجزائر في الفترة العثمانية وعلاقته بالهوية المحلية الأحياء والدور أنموذجا”، هو عنوان مداخلة الدكتورة لطيفة بورابة، التي قدمتها بمناسبة احتفاء مديرية النشاطات الثقافية لولاية الجزائر شهر التراث، حيث قالت، إنها استعانت في دراستها هذه بشهادات لمهندسين ومؤرخين فرنسيين، كانوا ضمن الحملة الفرنسية على الجزائر في بدايتها، وانبهروا جدا، بل صدموا بجمال مدينة الجزائر، وكتبوا عنها بإسهاب، بالإضافة إلى معاينتها الميدانية لما تبقى من تخطيط شوارعها العتيقة، ومعالمها التاريخية بمختلف أنواعها المدنية، والدينية، والعسكرية، والجنائزية.
وتبين للدكتورة من خلال كتابات الفرنسيين، اهتمام الأجانب بالمعالم الحضرية للبهجة، باعتبارها دلالات مادية وفنية أصيلة لهوية البلاد. وقد أبرز كل من كوتيرو وبوابي وقيوشان جماليات العمارة الجزائرية، حيث أوردوا وصفا دقيقا ومفصلا لشكل الأحياء والدور والأبواب، التي تبقى شاهدة على مقدرة وذكاء المعماري المبدع في مجاله الفني، ذو الطابع الشرقي الإسلامي، الذي أخذ بعين الاعتبار نمط حياة الأسر الجزائرية، وما يربطها من علاقات عائلية أو جوارية، في ظل الدين الإسلامي الحنيف، وما يفرضه من آداب وحقوق.
بالمقابل، قالت الدكتورة، إن تراثنا جزائري يعود جزء منه إلى الفترة العثمانية، والكثير منه وجد قبل ذلك بكثير، مثل مسجد السيدة، الذي يعتبر أول مسجد بُني في المحروسة بعد جامع المرابطين (الجامع الكبير)، وقد وجدت وثيقة حوله في بير خادم، تعود لـ36 سنة قبل دخول العثمانيين إلى الجزائر، بطلب من أهاليها. علما أن المساجد الجزائرية تتميز بمنابر مربعة الشكل، في حين أن التركية منها لها شكل رؤوس أقلام.
وقدمت المتحدثة أمثلة عن أسماء فرنسية، كتبت ورسمت عن الجزائر في بداية احتلالها، وهي المعلومات التي استفادت منها، من بينها التي قدمها المؤرخ بيار بوايي الذي انبهر جدا بجمال المحروسة، وبالأخص حماماتها، وهو ما كانت تفتقده فرنسا، فكتب مؤلفا بعنوان "الحياة اليومية في مدينة الجزائر عشية الاحتلال الفرنسي"، ووصف فيها أيضا أبوابها، مثل باب الدزيرة، وكيف أن البهجة كانت تنقسم إلى جزأين وهما، الجزء السفلي الخاص بالأعمال الإدارية، والذي كان يوجد فيه قصر الجنينة، الذي أحرقته فرنسا لاحقا، ويعود إلى ما قبل الحكم العثماني للمنطقة، والعديد من المساجد والميناء، وكذا الجزء العلوي المسمى بالجبل، والذي كان تسكنه العائلات الأندلسية التي زودت الثقافة الجزائرية بنظام الري وبالحرف أيضا، والذي كان يضم شوارعا مغطاة وكثيرة، وفي بعض الأحيان، تكون على شكل أنفاق بيت، يعلوها سقف مدعم بواسطة روافد خشبية من العرعار، وهي ذات ارتفاع مختلف، يضطر المرء للانحناء عند المرور فيها، وهي ذات تعرجات مختلفة.
كما تطرقت المحاضرة أيضا، إلى مخططات الجاسوس بوتان التي استطاع أن يرسمها، رغم كل الصعوبات التي واجته، حتى أنه تظاهر بالجنون لكي يقترب من قلعة الجزائر، ويرسم مخططاتها، وأيضا عن المهندس غيوشان الذي وصف بدوره القصبة بدقة متناهية، وبإعجاب عظيم، وكتب أن هذه المدينة لا يوجد لها مثيل، وأن تاريخها يعود إلى زمن بعيد.
وتحدثت الدكتورة عن “دار الحمراء”، التي كان يملكها الأندلسي مصطفى الأحمر، ومن ثم انتقلت ملكيتها إلى الداي حسين الذي سلم فيها مفاتيح الجزائر لفرنسا المستعمرة. كما أشارت إلى تميز المساكن الجزائرية بالمظهر الخارجي البسيط، طبقا لما يسمى بـ«سياسة الفقه العمراني”، أي أن على الجميع أن يظهر بشكل متساو، وكذا ضرورة مراعاة حقوق الجيرة لبناء أي مسكن.
وعددت الدكتورة بعض صفات بنايات القصبة، مثل ضمها للسقيفة ووسط الدار، وكذا نوافذ صغيرة مشبكة وغيرها. كما توقفت مطولا عند العيون التي ما تزال تشتغل في القصبة، وما أكثرها، بالإضافة إلى وجودها داخل الأحياء، مثل عين المزوقة وعين سيدي عبد الله. وكذا عن مهنة السقي من خلال حاملي الماء، وقد كان أول ساق، المدعو ايمانويل داغوندا، وهو أسير إسباني، كان يجلب الماء من بوزريعة إلى القصبة.