جان جاك روسو مدشن العصور الحديثة

التأسيس لقراءة تحولات الراهن

التأسيس لقراءة تحولات الراهن
  • 850
ق.ث / الوكالات ق.ث / الوكالات
يسرد المؤلفان برنار كوتريه وزوجته مونيك كوتريه، وهما أستاذان كبيران في الجامعات الفرنسية في هذا الكتاب سيرة حياة روسو، ويركزان على دراسة التركيبة النفسية المعقدة لأكبر كاتب فرنسي في العصور الحديثة، فالرجل كان غريب الأطوار بسبب الحياة الصعبة وغير الطبيعية التي عاشها منذ طفولته، وكان مليئا بالتناقضات لأنه عانى من الفقر والجوع والحالة غير المستقرة في سنوات حياته الأولى.
ماتت أمه أثناء ولادته ولذلك قال فيما بعد عبارته الشهيرة: ”كانت أولى جرائمي أني كلّفت أمي حياتها”! ثم بعد ذلك تزوج والده وتخلى عنه وهو في الـ10 من عمره لكي يدبر أمور نفسه بنفسه. اشتغل عند أحد الصنّاع في الحي الشعبي من مدينة جنيف، ولكنه في أحد الأيام هرب من المدينة وهام على وجهه في البراري والحقول بسبب نزعته الرومانتيكية أو بسبب بذرة الجنون العبقري الموجودة في داخله، وهي بذرة تدفعه إلى حب المغامرات. والواقع أنه كان يلعب مع ابن خاله خارج المدينة عندما خيم الليل، وعندما عادا إليها فوجئا بأنها أقفلت أبوابها وأسوارها.
كانت المدن الأوروبية في القرون الماضية تقفل أبوابها ليلا مثلما يقفل الإنسان باب بيته، وقد ظل ابن خاله رابضا على الأسوار ينتظر بفارغ الصبر طلوع الفجر كي يدخل ويعود إلى بيت أهله، أما جان جاك روسو فلم ينتظر، ووجدها فرصة سانحة لكي يهرب في البراري المحيطة، وهي من أجمل المناطق الواقعة بين سويسرا وفرنسا، إنها جنة الله على الأرض وما كان أحد يعرف أن هذه المغامرة الجنونية سوف تجعل منه لاحقا أكبر كاتب ومفكر في العصور الحديثة.
الرجل تصنعه المعاناة ومرارات الحياة وتصاريفها وأهوالها، وليس السهولة ولا رغد العيش، ثم شاءت الصدفة أن يقوده الحظ إلى بيت تلك المرأة التي ستصبح ”أمه” وتعوض له ما فات من حرمان وهي سيدة تدعى ”مدام دوفارين”، وكانت مكلّفة رسميا من قبل ملك تلك البلاد بتحويل أبناء البروتستانتيين عن مذهبهم لكي يعتنقوا المذهب الكاثوليكي البابوي الروماني.وكان البابا يعد المذهب البروتستانتي بمثابة الهرطقة الكاملة والخروج عن المسيحية الحقة والطريق المستقيم. وعندما رآها روسو، لأول مرة وكانت في عزّ شبابها وجمالها، قال بينه وبين نفسه: ”إن مذهبا يعتنقه أمثالها سوف يقود حتما إلى الجنة”! وهكذا قبل بتغيير مذهبه واعتناق مذهب أعدائه أو أعداء آبائه وأجداده لكي يستطيع أن يعيش.
خلّدها فيما بعد في كتاب ”الاعترافات” الشهير عندما قدم عنها صورة شخصية يبلى الزمن ولا تبلى، وبكاها بكاء مرا عندما ماتت ومرّغ وجهه بتراب قبرها، وعلى طول الكتاب كان يدعوها: ”ماما” .
بعد أن ملّ الشاب الفقير من حياة الرتابة في ظل الأقاليم البعيدة عن المركز راح يبحث عن حظه في العاصمة باريس، ومعلوم أن كل مثقفي الأرياف أو المحافظات كانوا يعرفون أنهم لن يصلوا أبدا إلى الشهرة إلا إذا ذهبوا إلى باريس.
ولكن في باريس ابتدأت حياة الشقاء والعناء لجان جاك روسو، فقد كان مغمورا لا يعرفه أحد وهنا تكمن عبقرية جان جاك روسو، فقد استطاع أن يقفز دفعة واحدة من الحضيض إلى القمة على الرغم من أن كل شيء كان ضده، ولذلك تنطبق عليه كلمة نيتشه: ”وحدها العبقريات تخترق الظروف”!.
ثم يردف الكاتب قائلا: «ولكن ذلك لم يحصل فورا، وإنما بعد سنوات كثيرة من المعاناة والانتظار والترقب، وفي أثناء ذلك كان قد تعرف على خادمة فارتبط بها، واسمها تيريز لوفاسير، كانت فتاة بسيطة، أمية وبالتالي فلا يمكن أن تتكبّر عليه، وإنما تقبل به على علاته.
ثم تعرف على المشاغب الكبير ديدرو، الذي كان يبحث عن الشهرة مثله في باريس، وأصبحا صديقين حميمين لا يفترقان، وكانا يشتغلان في الترجمة والخدمة في بيوت الأغنياء لكي يستطيعا دفع أجرة الغرفة وإكمال الشهر بصعوبة بالغة.
من كان يعرف آنذاك أنهما سيصبحان بالإضافة إلى فولتير أكبر فلاسفة العصر؟ كانا لا يزالان في البدايات أو بداية البدايات، ولكن كان واضحا أن ديدرو رجل اجتماعي من الطراز الأول، ويحب مخالطة الناس، يضاف إلى ذلك أنه كان متحدثا بارعا يسيطر على عقول مستمعيه ويتلاعب بها كيفما شاء بفضل بلاغته وفصاحته وجرأته.
أما جان جاك روسو، فكان شخصا انطوائيا، معقدا، يميل إلى العزلة والوحدة ويخاف من مخالطة الناس في المجتمع، وبالتالي فقد كان الرجلان يكملان بعضهما البعض ويقعان على طرفي نقيض.
ثم يقول لنا هذا الكتاب الشيق ما يلي: ”وبعدئذ ابتدأت حياة روسو الفكرية والأدبية بشكل مفاجئ ومتأخر؛ أي بعد أن اقترب من الـ40. وقد ابتدأت بطريقة غير معهودة فقد كان ذاهبا لزيارة صديقه ديدرو المسجون في قلعة فانسين بسبب آرائه الجريئة بل والمتهورة التي تغضب كهنة المسيحية.
كيف حصلت القصة؟ كان يحمل معه جريدة لكي يتسلّى بها أثناء الطريق، وفجأة يقع بصره على السؤال التالي الذي طرحته أكاديمية ”ديجون” كمسابقة للهواة: هل تقدّم الصناعات والعلوم والفنون في عصرنا أدّى إلى تهذيب الأخلاق أم إفسادها؟ وما إن قرأ روسو نص السؤال حتى وقع مغشيا عليه تحت شجرة، لقد انبطح على الأرض بكل قامته وجسمه وغاب عن الوعي للحظات، وعندما استفاق وجد أنه سفح الدموع بغزارة أثناء الغيبوبة حتى بللت كل صدره وقميصه. كم كان محتقنا جان جاك روسو! وفجأة يفجر الإلهام الصاعق كل احتقاناته.
عرف أنه أصبح شخصا آخر بدء من تلك اللحظة، عرف أنه وصل إلى الحقيقة التي كان يبحث عنها منذ سنوات وسنوات بشكل واع أو غير واع دون أن يجدها، لقد تجلت الحقيقة لجان جاك روسو، في ذلك اليوم المشهود على طريق غابة فانسين؛ من حيث لا يتوقع، لقد كشفت عن وجهها الساطع كنور الشمس فحررت عقدة في نفسه، وعرف عندئذ أنه سيكون ”نبي العصور الحديثة” الشيء الذي ما كان يعرفه هو أن طريق المصاعب قد ابتدأ وأن الخطر الأعظم أصبح منه قاب قوسين أو أدنى، ولكن العناية الإلهية حمته من الاغتيال والتصفية الجسدية أكثر من مرة، لقد اكتشف أن التقدم العلمي أو المادي أو التكنولوجي لحضارة ما، لا يرافقه بالضرورة تقدم أخلاقي أو إنساني على نفس المستوى، لا توجد علاقة أوتوماتيكية بين الشيئين على عكس ما نتوهم. وقد صفع عصره بهذا الكشف صفعا.
وهكذا اكتشف مشكلة العصر في عزّ عصر التنوير الكبير، وبينما حل عقدته الشخصية راح يحل عقدة العصر كله، وكتب بحثا وأرسله إلى الأكاديمية التي طرحت السؤال، ثم نسي الموضوع تماما حتى فوجئ بأنه نال الجائزة من بين كل المتسابقين، وعندئذ أصبح مشهورا بين عشية وضحاها. ثم توالت كتبه الرائعة منها مقال عن أصل اللامساواة والظلم بين البشر و«العقد الاجتماعي”، و«إميل أو في التربية”، وروايته الشهيرة ”هيلويز الجديدة”.. وهكذا، وخلال بضع سنوات فقط، صبّ على الورق كل ما في أحشائه، وأصبح أشهر كاتب في عصره بالإضافة إلى فولتير.
تبقى التربية الأوروبية الحديثة، بل كل السياسة الديمقراطية هما من بنات أفكاره ألا يكفيه ذلك فخرا؟ ولذلك قال غوته في عبارة شهيرة: ”فولتير أغلق عصره، ولكن جان جاك روسو دشن العصر الآخر”!.