إحياء لليوم العالمي للرواية العربية

الأدب الجزائري حمّال لهموم الإنسان والنقد مجرد إجراء..

الأدب الجزائري حمّال لهموم الإنسان والنقد مجرد إجراء..
  • 798
مريم . ن مريم . ن

احتفلت المكتبة الوطنية بالحامة، مساء الأربعاء، باليوم العالمي للرواية العربية، من خلال تنظيم ندوة علمية حول "الرواية ومناهج النقد المعاصرة"، نشطها الدكتوران بشير بويجرة من جامعة وهران، ومحمد لمين بحري من جامعة بسكرة، تناولا فيها مناهج النقد البيداغوجية الكلاسيكية والمناهج المعاصرة، مستعرضان في ذلك، مختلف التجارب ومحاولات الإفلات من الحصار النقدي الذي يضرب الرواية ويخنقها، كونه لا يتعدى صفة الإجراء الملزم بالتطبيق، دون الوصول إلى العمق والفكرة.

يعتبر ضيفا الندوة من خيرة الباحثين في المجال الأدبي، كما رافقهما في هذا اللقاء الروائي محمد ساري، الذي كان لحضوره أثره وإضافته.

في كلمته الترحيبية، أشار الدكتور منير بهادي، مدير المكتبة الوطنية، إلى أن "النص الروائي ليس نصا روائيا فقط، بل هو مادة تاريخية يمكن الاستناد عليها، للنظر في كيفية تأريخ مرحلة ما"، علما أن مصادر المعلومة التاريخية لم تعد تقليدية فقط، بل أصبح منها نصوص روائية وشعرية تحمل الكثير من الأحداث التي يغفل عنها المؤرخ المحترف، بالتالي، فإن النص الروائي الأدبي أصبح ينظر إليه بنظرة علمية وجمالية تتجاوز الإطار البيداغوجي الصرف، المحصور وراء أسوار الجامعة.

قدم الدكتور بشير بويجرة محاضرة بعنوان "القراءة وأنساق المنهج الثقافي"، استعرض من خلالها مسارات الرواية الجزائرية، ومما قاله :«قضيت عقودا أدرس الأدب الجزائري دون سواه، وما وجدت نصا أدبيا حمالا لأوهام وأفكار الإنسان وللوجود الشرس له، مثل الرواية الجزائرية"، مضيفا أن هذه الرواية الجزائرية كانت اللب المعبر عن الكينونة الإنسانية عامة، والعربية خاصة، وللجزائر مبدعوها اللامعون، رغم أن النظر لا يزال قصيرا اتجاه هذا الفن والفكر، وكل ما يتعلق به لا مكان له في مجتمعنا، عكس المجتمعات المتقدمة.

أشار المتحدث أيضا، إلى أن للأدب أهمية قصوى في معرفة عمق الإنسان، كما أن للرواية الجزائرية باع طويل، حيث أنها ظهرت مع "الحمار الذهبي"، ثم الأولى عربيا مع رواية مصطفى بن إبراهيم سنة 1845، وكذلك مع القصة القصيرة من إمضاء الروائي الشهيد أحمد رضا حوحو.

أسهب المحاضر في الحديث عن المنهج النقدي الثقافي، معبرا عن تعلقه بأربعة مدارس فكرية وهي؛ اتجاه "لوبوف" المتعلقة بالتاريخ الجديد الذي لا تكتبه المؤسسة الرسمية، والموجود في اليوميات والشوارع وعند البسطاء والعامة، وأيضا "نظرية السرد لبول ريفار"، المتعلقة بطريقة السرد، ثم "نظرية المعرفة"، وصولا إلى نظرية "هنري بيكسون" المتعلقة بالديمومة التاريخية، بمعنى أنه لا يوجد ماض ومستقبل، بل هناك الحاضر الذي يصنعنا، وهنا استشهد المحاضر برواية "اللاز" للطاهر وطار، التي قرأت الراهن وتنبأت بالعشرية السوداء، وهو ما يمثل النظرة الاستشرافية للفن والأدب.

قال الدكتور بشير بويجرة، إن جمال الأسلوب مطلوب، وكذلك البنية اللغوية، لكن الاعتماد في الرواية لا بد أن يكون في المضمون وكيفية المعالجة، مع الإحساس، وهذا ما يعطي قيمة للعمل، علما أن كل رواية جزائرية ناضجة وناجحة كانت تحمل هما، وفيها ينبعث الصوت الوطني الجزائري وعلى صوت الآخر أيضا، رغم أن هذا النجاح والحضور غير مثمن في المجتمع، عكس أمم أخرى تجعل من الفكر والأدب الإيديولوجيا التي تميزها.بدوره، تحدث الناقد الدكتور بحري عن المناهج العلمية النقدية، موضحا أن هذه المناهج تعنى بالتطبيقات والآليات التي تسلط على الرواية.

كما أوضح أن الإبداع في الرواية والشعر لا تعطي الحلول، بل تضعنا وجها لوجه أمام حياتنا وأمام المسكوت عنه.

تحدث الدكتور بحري عن "نقد النقد" قائلا؛ "النقد الأكاديمي له ثوابته التي تجاوزها الزمن والأجيال، حيث أصبح للنص عدة مداخل، وليس مدخلا واحدا، كما يفرضه السجن الأكاديمي".

تساءل المحاضر "هل النقد الثقافي جاء بديلا للنقد الأدبي؟" ورد قائلا؛ إن ذلك مغالطة وقطيعة بين المناهج المعرفية، بل إن هناك تأسيس لآليات جديدة تعوض ما سبق ولا تبيده، أي أن هناك قدر من التجديد والاقتراح لمنظومة معرفية جديدة.

كما تطرق المحاضر إلى مسألة النقد في مدرسة النقد ما بعد الكولونيالية، وفي ثقافة المركز والهامش، مؤكدا على ضرورة أن يتجاوز النقد هذه العقلية الإمبريالية، وينظر للأدب كثقافة حمالة لأفكار وإبداعات الشعوب، متوقفا أيضا عند التعريف بالرواية التي هي خطاب، وليست حكاية تنتهج طريقة ما لتوظيف الواقع في السرد، وليست هي الواقع نفسه، لها لغتها وخطابها المختلف عن باقي الفنون.

في الأخير، تم الإجماع على أن الساحة النقدية اليوم، تشهد نماذج نمطية تخلو من الفكر والروح، وأعطى نفس نتائج البحث، فالكل متشابه بنفس المقدمات والنتائج، وأصبحت المناهج إجراءات مطبقة يقتدى بها في النصوص.

شهد النقاش الذي أعقب الندوة، ثراء في الأفكار، وكان من تنشيط محمد ساري، بحضور كوكبة من المثقفين، منهم عاشور فني ومشري بن خليفة وغيرهم.