الثقافة والإعلام في صلب معركة الهوية الصحراوية
استحضار دور الذاكرة والمقاومة
- 283
دليلة مالك
أكدت الناشطة والكاتبة الصحراوية نانا بنت اللبات الرشيد، والإعلامي والباحث محمد فاضل لهيد، أهمية الثقافة والإعلام في حماية الهوية الوطنية الصحراوية وصون الذاكرة الجماعية، معتبرين أنّ الكتابة والإذاعة شكّلتا، ولا تزالان، أداتين أساسيتين في مواجهة محاولات طمس الهوية والتأثير في الوعي والسردية التاريخية للشعب الصحراوي.
خلال ندوة تناولت الثقافة والهوية الصحراوية وتجربة الإعلام في مسار المقاومة، أوّل أمس بفضاء "روح البناف"، بصالون الجزائر الدولي للكتاب 29، استعرض المتدخّلان جوانب من تجربتهما في الدفاع عن الموروث الثقافي والذاكرة الوطنية، مسلّطين الضوء على دور المرأة الصحراوية في الحفاظ على الخصوصية الثقافية، وعلى إسهام الإذاعة الوطنية الصحراوية في مواكبة مراحل الكفاح وتعبئة الرأي العام.
وفي مداخلتها، أبرزت نانا بنت اللبات الرشيد، المستشارة بالرئاسة الصحراوية المكلفة بالإعلام والناشطة السياسية والكاتبة والشاعرة، أنّ الثقافة الصحراوية ظلّت تاريخياً ثقافة شفوية قائمة على الحكاية والرواية والتناقل الشفهي، وهو ما جعل عملية توثيقها وكتابتها تحدياً أساسياً أمام الأجيال الصحراوية. وأوضحت أنّ سنوات الكفاح كشفت حجم النقص في التوثيق الوطني، مشيرة إلى أنّ جانباً كبيراً مما كُتب عن الصحراء الغربية وشعبها وجغرافيتها وثقافتها جاء بأقلام رحّالة ومستعمرين وكتّاب أجانب، الأمر الذي فرض ضرورة تكثيف الجهود الوطنية لحفظ الذاكرة الثقافية وتوثيق التاريخ والهوية الصحراوية.
وفي سياق حديثها عن تجربتها الأدبية، أكّدت بنت اللبات أنّ الكتاب يمثّل وسيلة ناعمة وفاعلة لنقل التجربة الصحراوية إلى العالم، لما يتيحه من إمكانات الترجمة والوصول إلى جمهور واسع، سواء تعلّق الأمر بالتجارب الفردية أو الجماعية في المقاومة، أو بالتجربة الثقافية والتاريخية للشعب الصحراوي.
من جهته، استعرض الأستاذ محمد فاضل لهيد، المدير السابق للإذاعة الوطنية الصحراوية، تجربته المهنية التي امتدّت لنحو عشرين عاما داخل المؤسّسة، مؤكّداً أنّ المعركة على الهوية والذاكرة كانت حاضرة منذ البدايات الأولى للعمل الإعلامي الصحراوي. وأوضح أنّ الخطر الأكبر الذي يهدّد الشعوب لا يتمثّل فقط في إبعادها عن أرضها، وإنّما في فصلها عن ذاكرتها وانتمائها، مستحضراً في هذا السياق أنّ إخراج الإنسان من وطنه ليس الأخطر بقدر ما تكمن الخطورة في إخراج الوطن من ذاكرته.
وأشار إلى أنّ الإذاعة الوطنية الصحراوية عملت، منذ نشأتها، على ترسيخ الارتباط بالوطن وتعزيز الذاكرة الجماعية من خلال برامج ثقافية وإعلامية أعادت إحياء التراث الشعبي والأغاني والقصائد القديمة، واستحضرت بطولات المقاومين الصحراويين ضدّ الاستعمار الإسباني والفرنسي، مع إضفاء أبعاد نضالية وسياسية على هذا الموروث بما ينسجم مع متطلّبات الكفاح الوطني.
كما دعا إلى إعادة البحث في تاريخ المقاومة الصحراوية، مبرزاً أنّ الصحراويين شاركوا في محطات متعدّدة من مقاومة الاستعمار الفرنسي، إلى جانب شعوب المنطقة، في موريتانيا والجزائر والمغرب، مؤكّداً أنّ كتابة التاريخ الصحراوي تظلّ مسؤولية أساسية ينبغي أن يضطلع بها أبناء الشعب الصحراوي أنفسهم.
واستحضر في هذا الإطار تأثير البث الإذاعي الصحراوي، مشيراً إلى اعتراف الملك المغربي الراحل الحسن الثاني بخطورة دور أجهزة الترانزستور في نقل الخطاب الإعلامي الصحراوي، كما تحدّث عن طلبه من الرئيس الجزائري التدخّل لوقف أحد البرامج التي كانت تبثها الإذاعة الوطنية الصحراوية، وهو ما اعتبره دليلاً على حجم التأثير الذي بلغه ذلك البرنامج.
ولفت المتحدّث، إلى أنّ مرحلة وقف إطلاق النار سنة 1991، شكّلت منعطفاً صعباً بالنسبة للإعلام الصحراوي، إذ انتقل من سياق الحرب والمواجهات العسكرية، حيث كانت الأحداث توفّر مادة إعلامية متواصلة، إلى مرحلة جديدة تطلّبت إعادة صياغة الخطاب وتطوير أدوات العمل الإعلامي. وأشار إلى أنّ هذه التجربة والاستراتيجيات التي رافقت تطوّر الإعلام الصحراوي موثّقة في كتابه "الإذاعة كاستراتيجية في بوليساريو"، الذي يتناول مسار الإذاعة ودورها في مواكبة التحوّلات السياسية والعسكرية والإعلامية التي عرفتها القضية الصحراوية.