إحياء ذكرى 17 أكتوبر 61 بباريس
استحضار تاريخيٌّ وإبداعيٌّ لجرائم فرنسا
- 763
مريم. ن
يحيي المركز الثقافي الجزائري بباريس، ككل سنة، ذكرى مظاهرات 17 أكتوبر 1961، من خلال ندوة تاريخية ينشطها مؤرخون فرنسيون، مع عرض كوريغرافي بعنوان "المفقودون"، يروي المأساة الإنسانية التي لاتزال حية إلى يومنا. ينظم المركز الثقافي الجزائري بالعاصمة الفرنسية هذا الخميس على السابعة مساء، ندوة تاريخية عن مجازر 17 أكتوبر 1961 بمشاركة المجاهد محمد غفير المدعو "موح كليشي"، عضو فيدرالية فرنسا لجبهة التحرير وكاتب "ألمي وتوقيفي سنة 1958".
كما يشارك في هذه الندوة بعض المؤرخين الفرنسيين الكبار، منهم فابريس ريسيبوتي المؤرخة وكاتبة "هنا يغرق الجزائريون: معركة جون لوك إينودي لبعث مجازر 17 أكتوبر 61". ويشارك، أيضا، ألان روسيو المؤرخ المختص في التاريخ الاستعماري الفرنسي في الجزائر، والهند الصينية، وكاتب عدة مؤلفات منها "الشيوعيون والجزائر: من الأصول إلى حرب التحرير 1920- 1962" وكذا "نوستالجيري"، و"التاريخ اللانهائي لليد الحمراء"، و"عندما قضم أصحاب الحضارة الأهالي: رسوم وكاريكاتورات عن فترة الاحتلال".
وشهد اليوم الموافق لـ 17 أكتوبر 1961، أمرا من فيديرالية جبهة التحرير، خرج، بموجبه، آلاف الجزائريين المغتربين من نساء ورجال وأطفال، للتظاهر في قلب العاصمة باريس، للاحتجاج على فرض حظر التجوال الذي اقتصر، فقط، على الجزائريين دون سواهم بأمر من موريس بابون، ومن ورائه الجنرال ديغول. وكانت المرة الأولى والأخيرة التي تنظم فيها جبهة التحرير، هذه المظاهرات لتحسيس الرأي العام الفرنسي والدولي، بالقضية الجزائرية. وتم فيها رسم حدود مسيرة المظاهرات، والالتزام بسلميتها، لكن الشرطة الفرنسية كانت بالمرصاد، وكانت تصطاد كل من يحمل ملامح جزائرية، وتُخضعه لأبشع أنواع التعذيب، وترميه في نهر السين بدون رحمة أو شفقة، وكانت هذه الجرائم امتدادا لجرائم أخرى ارتكبتها فرنسا الاستعمارية في الجزائر.
كما سيحتضن المركز الثقافي الجزائري سهرة الجمعة 14 أكتوبر ابتداء من الثامنة والنصف مساء، عرضا كوريغرافيا بعنوان "المفقودون" من توقيع الفنان مهدي سليماني، بمشاركة 10 راقصين، يجسدون بإبداع متفرد، أحداث أكتوبر المظلم، الذي انطلقت شرارته من حظر التجوال، وامتدت حتى الغرق في السين. العرض يستعمل لغة الهيب هوب. ويحاول تصفّح أوراق سجل التاريخ. وتوحي حركات الأجساد في استرخائها وحركتها وهدوئها وغضبها، ما كان مع مراعاة الجانب الجمالي، علما أن الفنان مهدي يحاول أن يعيد الحياة إلى هذه الفترة طيلة العرض، واستحضار المفقودين الذين رحلوا على يد الهمجية، وبالتالي كان لا بد من التصدي لثقافة النسيان ومحاربتها. للإشارة، وصف المؤرخان البريطانيان جيم هاوس ونيل ماكماستر ما تعرض له الجزائريون يوم 17 أكتوبر في كتابهما "الجزائريون، الجمهورية ورعب الدولة"، بأنه "أعنف قمع لمظاهرة في أوروبا الغربية في التاريخ المعاصر".
كما تحدّث مؤرخون فرنسيون عن المجازر، وأبرزهم جون لوك إينودي، الذي كشف في شهادته التي نُشرت في 20 ماي 1998 في صحيفة "لوموند"، عن أنه في أكتوبر 1961 "وقعت في باريس مجزرة اقترفتها قوات الشرطة بأمر من موريس بابون"، وهي الشهادة التي دفعت بابون الذي أدين عام 1998 خلال محاكمته بالتعاون مع النازية، إلى تقديم شكوى ضده عام 1998 بتهمة التشهير ضد موظف عمومي، لكنها رُفضت عام 1999، وتم تبرئة المؤرخ. كما إن الفرنسيين خلّدوا مجازر 17 أكتوبر بوضع لوحة كبيرة على جسر في سان ميشال، كُتب عليها: "من هنا كانت ترمي الشرطة الجزائريين في نهر السين في 17 أكتوبر 1961"، لكن هذه اللوحة تعرضت للتخريب قبل أن يعاد تثبيتها، إضافة إلى تأسيس “جمعية 17 أكتوبر 1961 ضد النسيان".