مسرح "مجوبي" مختبر حيّ للصوت والفضاء

إعادة تشكيل جماليات العرض المسرحي

إعادة تشكيل جماليات العرض المسرحي
  • 151
سميرة عوام سميرة عوام

يواصل المسرح الجهوي بعنابة، ترسيخ مكانته كفضاء حيوي للتكوين والتجريب، من خلال احتضانه، أوّل أمس، سلسلة من الورشات التكوينية المتخصّصة التي تجمع بين الموسيقى التصويرية، وفنون العرض، والسينوغرافيا، في تجربة فنية متكاملة تسعى إلى إعادة تشكيل وعي الممارسين بجماليات الركح، وأبعاده التعبيرية. ففي أجواء فنية ثرية انطلقت فعاليات الورشة التكوينية الرائدة في "الموسيقى التصويرية وفنون العرض"، بإشراف وتأطير الأستاذ والباحث الموسيقي عبد القادر صوفي، في تظاهرة لا تكتفي بتقديم المعارف التقنية، بل تسعى إلى فكّ الشفرات المعقّدة للعلاقة الكيميائية بين الإيقاع الصوتي والحركة الركحية. 

ومنذ اللحظات الأولى تحوّلت الورشة إلى جلسة استنطاق لروح العرض المسرحي، حيث استعرض المؤطر فلسفة الموسيقى بوصفها "الممثّل الخفي" القادر على ملء الفراغات التي قد يتركها النصّ أو الصمت، مؤكّدًا أنّ الموسيقى التصويرية ليست عنصرًا تجميليًا، بل ضرورة درامية، تمنح الزمن المسرحي عمقه السيكولوجي، وتثري دلالات الصراع فوق الخشبة.

وركّزت الجلسات المكثفة في يومها الأوّل على "هندسة الصوت" ، وكيفية تحويل الآلات الموسيقية إلى أدوات سردية، تساهم في بناء تصاعد الأحداث، إذ انتقل المشاركون من الجانب النظري الذي تناول تاريخ توظيف الصوت في المسرح العالمي، إلى الجانب التطبيقي الذي يبحث في مواءمة النغمات مع لغة الجسد وإضاءة الركح، في مقاربة شاملة تعيد الاعتبار للصوت كعنصر بنيوي في العرض المسرحي. وبالتوازي مع ذلك، انطلقت فعاليات الورشة التكوينية المتخصصة في "الفن السينوغرافي" الممتدة إلى غاية 13 فيفري الجاري، في موعد ثقافي يهدف إلى تعزيز التكوين الأكاديمي والعملي في واحد من أدقّ التخصّصات المسرحية، وأكثرها تأثيرًا على البعد الجمالي للعرض.

وبإشراف الأستاذ ناجم شراد يغوص المشاركون في أسرار هندسة الفضاء المسرحي، والعمل على تحويل الخشبة من سطح جامد إلى لوحة حية تنطق بالرموز والدلالات. ولا يقتصر التكوين على الجوانب التقنية البحتة، بل يتعداها إلى استيعاب فلسفة السينوغرافيا كلغة بصرية موازية للنصّ والأداء، من خلال حصص مكثّفة تتناول توظيف الإضاءة، والكتل، والفراغ، بما يسمح بخلق عوالم درامية قادرة على احتواء الممثل، وشدّ انتباه المتفرج.

وتلتقي هاتان الورشتان رغم اختلاف تخصّصاتهما، في رؤية واحدة تؤمن بأن العرض المسرحي الحديث هو نتاج تفاعل عضوي بين الصوت والفضاء والجسد، وأنّ الموسيقى والسينوغرافيا تشكلان معًا عمودين أساسيين في بناء المعنى، وتكثيف الأثر الجمالي. وفي هذا السياق، تندرج هذه المبادرات ضمن استراتيجية ثقافية واعية، تهدف إلى ردم الهوة بين العفوية الإبداعية والمنهج الأكاديمي، وفتح فضاءات حرة للتجريب أمام المبدعين الشباب.


دار الثقافة بعنابة

ورشات حية في المسرح والموسيقى

​تستعيد دار الثقافة "محمد بوضياف" بعنابة، دورها الريادي كحاضنة للفكر والجمال، من خلال بعث حركية تكوينية شاملة تتجاوز المفهوم التقليدي للنشاط الثقافي، لتصل إلى عمق الاستثمار في الإنسان. ففي رحاب هذا الصرح العريق لم تعد الورشات مجرد حصص عابرة، بل تحولت إلى محطات استراتيجية، تهدف إلى إعادة صياغة الذائقة الفنية، وتأهيل المواهب المحلية وفق معايير أكاديمية وتربوية رصينة، تجسد تطلعات قطاع الثقافة والفنون في مرافقة المبدعين.

و​تتصدّر ورشة "المسرح التربوي والسيكودراما" المشهد الفني، حيث تشرف الأستاذة شفيقة منغور على نحت تجربة مسرحية فريدة، تجعل من خشبة المسرح مرآة للذات، ومساحة للبوح، والتفريغ النفسي.  ولا تكتفي الورشة بتعليم أصول الأداء، بل تغوص في معالجة الحالات الاجتماعية والنفسية عبر التمثيل التلقائي؛ ما يجعل الفن أداة للتشافي، وبناء الشخصية المتوازنة التي تملك القدرة على التعبير عن هواجسها وتطلّعاتها في إطار بيداغوجي محفّز، يجمع بين المتعة والتعلّم. ​وعلى وقع النغمات الأصيلة ينساب عبق التراث في ردهات المؤسّسة من خلال ورشة الموسيقى الأندلسية، والأغنية الشعبية التي يقودها الأستاذ نصر الدين بلغيثي. 

فمن قواعد "الصولفاج" إلى تعقيدات العزف على الآلات الوترية، يتلقى الطلبة من مختلف الأعمار، تكويناً يزاوج بين الصرامة الأكاديمية وروح الإبداع؛ سعياً لتخريج جيل يحمل مشعل الفن الجزائري الأصيل.