الكتابة الروائية بين حدود الواقعية وسحر الفانتازيا
إعادة تشكيل الواقع بالخيال
- 217
آية توازي
شهدت قاعة "آسيا جبار" بصالون الجزائر الدولي للكتاب، أوّل أمس، تنظيم ندوة أدبية بعنوان "الكتابة الروائية: حدود الواقعية وسحر الفانتازيا"، جمعت نخبة من الروائيين والكتّاب الشباب، لمناقشة دور الرواية في مساءلة الواقع، وإعادة تشكيله عبر الخيال والإبداع، واستكشاف الحدود الفاصلة بين ما هو واقعي وما تتيحه العوالم المتخيّلة من آفاق سردية، وجمالية.
استُهلت الندوة بطرح جملة من التساؤلات حول مشروعية الكتابة الروائية، وكيفية انتقالها من مجرّد نقل الواقع إلى إعادة صياغته، ومساءلته، مستفيدة من الخيال بوصفه وسيلة لاكتشاف ما تخفيه التجربة الإنسانية، وما تعجز المعرفة المباشرة عن الإحاطة به. وشهد اللقاء مشاركة عدد من الأدباء والكتّاب الذين تركوا بصمتهم في المشهد الأدبي، وتُوّجت أعمالهم بجوائز أدبية بارزة في الجزائر؛ على غرار جائزتي آسيا جبار، وعلي معاشي.
في هذا السياق، قدّمت الروائية سارة محمد معيريش المتوّجة أعمالها بجائزة آسيا جبار ومن بينها رواية "الرفراف: سيرة الجبل الأسطورية" إلى جانب "جرعة زائدة" و"سعادة إلا ربع"، مداخلة مفاهيمية، تناولت فيها الفوارق بين الواقع والمتخيّل والفانتازيا، مؤكّدة أنّ الكاتب ليس مطالَبا بالتقيّد بالواقعية بحذافيرها، لا سيما في الكتابة التاريخية، وموضّحة أنّ الفانتازيا تفتح المجال أمام عوالم موازية للواقع، بينما يُمثّل المتخيل طيفا متنوّعا من الصور والألوان التي تستلهم الواقع وتعيد تشكيله دون أن تكون بالضرورة، أحداثا وقعت فعلا. وفي سياق تطبيقي، استعرضت معيريش تجربتها في رواية "الرفراف"، مستدلة بكيفية المزج بين الوقائع التاريخية والأحداث المتخيّلة، ومن ذلك اتّخاذ العقيد عميروش منطقة البيبان محطة للعبور، إلى جانب توظيف اللمسات الخيالية والتعددية الصوتية في السرد، بما يخدم الرؤية الإبداعية للعمل.
من جهته، تحدّث عبد الباسط باني الذي تميّزت أعماله ومنها روايتا “مطلوعة” و«القالوفة” باستعادة الواقع الاجتماعي والتاريخي وإعادة بنائه بأسلوب سردي مختلف، عن قدرة الرواية على مساءلة العنف، ورصد التحوّلات التي يشهدها المجتمع. وقال إنّ “الواقعية السحرية” تمثّل خط التماس، أو الفاصل الدقيق بين الفانتازيا والواقع الخالص، مشيرا إلى أنّ الروايات العالمية الناجحة مثل أعمال غابرييل غارسيا ماركيز وسلسلة “هاري بوتر”، تلجأ إلى توظيف عناصر خيالية وسحرية لجذب القارئ، متسائلا عن سرّ انجذاب القرّاء إلى العوالم الفانتازية أكثر من انجذابهم إلى الواقع الجاف.
في السياق نفسه، شدّد باني على ضرورة استثمار الكتّاب الجزائريين للمخيال الشعبي الواسع وللأساطير المحلية، وتوظيفها في إثراء نصوصهم الأدبية، وإضفـاء بصمة جزائرية خالصة عليها بما يمنحها خصوصية قادرة على الوصول إلى القارئ العالمي، بدلا من استيراد قوالب جاهزة لا تعكس عمق الهوية المحلية، ولا تنبع من خصوصيتها الثقافية. كما تناولت شمس تيزيري صاحبة المجموعة القصصية "إنّك لن تستطيع معي صبرا" وروايتي "حامية الكوفية" و"المعبودة"، تجربة مغادرة الواقع، واللجوء إلى عوالم غير واقعية، وما تتيحه هذه المغامرة السردية من إمكانات للتعبير عن التجربة الإنسانية من زوايا مختلفة.
وأوضحت أنّ الواقع لم يعد كافيا وحده للكتابة عنه؛ الأمر الذي يدفع الكاتب إلى ابتكار عوالم عجائبية، وتجاوز حدود المألوف، مع التأكيد على أنّ صلته الأساسية تظلّ مرتبطة بالبيئة، والمكان، واللغة التي تشكّل منابع تجربته الإبداعية. وقالت إنّ الفانتازيا تمثل مزاجا أدبيا مؤقتا يرتبط برغبة الاكتشاف وخوض مغامرة العوالم المتخيّلة، في حين تظلّ الرواية الواقعية جنسا أدبيا مستمرا، قادرا على طرح تساؤلات عميقة تتّصل بالإنسان، والهوية، وبكيفية مواجهة الصراعات النفسية والاجتماعية وتجاوزها. وقد أتاحت الندوة فرصة للأصوات الروائية الواعدة لعرض تجاربها الإبداعية المتنوّعة، ومناقشة إمكانات التفاعل بين الحقيقة والخيال في الكتابة الروائية، وما يتيحه هذا التداخل من آفاق جديدة لتطوير السرد، وإثراء الرواية الجزائرية المعاصرة.