في احتفالية بمتحف الآثار القديمة

إعادة بعث مؤسسة محمد تمام لحفظ أعماله وترويجها

إعادة بعث مؤسسة محمد تمام لحفظ أعماله وترويجها
الفنان الكبير محمد تمام
  • 176
مريم. ن مريم. ن

احتفل المتحف الوطني للآثار القديمة، أول أمس، باليوم العالمي للمتاحف، من خلال إحياء وتكريم الفنان الكبير محمد تمام، حيث نظمت وقفة بمعرض “تمام وتلاميذه: اللوحة النابضة”، سلطت الضوء على مسيرته الحافلة، زيادة على شهادات حية عن هذا الفنان الشامل والحكيم، الذي خدم الثقافة والهوية وتخلى عن كل المغريات، كي يعود لوطنه. تجلى الوفاء للراحل محمد تمام في معرض “تمام وتلاميذه، اللوحة النابضة”، ليبرز خلال مسيرته كمعلم استثنائي لا يشبه أحدا من المعلمين. كما تم عرض بعض من أعمال تمام، وما تحمله من رؤى فنية وفلسفة روحية، مستمدة من التراث والثقافة الجزائرية التي كانت حينها، أداة لمناهضة الاستعمار.

لا يشبه أحدا من المعلمين

 شارك في المعرض، عشرة فنانين من تلاميذ محمد تمام، حملت أثرا من معلمهم، وبقيت علامة في تجربتهم الفنية الممتدة منذ عقود، وكان من بين هؤلاء علي كربوش، مصطفى أجاووت، طاهر بوكروي، جاب الله سعيد ومحمد بوثليجة، وكذا عبد القادر بوعرو وعبد القادر بومالة. قدم الفنان محمد بوثليجة مثلا، لوحة "سورة القدر" بالخط الكوفي المربع، ولوحة لنموذج تجريبي لصفحة من المصحف الشريف بالخط الكوفي، وقدم الفنان عبد القادر بومالة "الحمد" بالحبر الصيني على الورق، فيما شارك الفنان علي قفصي بـ"باقة زهرية" و"ما شاء الله"، ثم علي كربوش بـ"تنميق"، وبدورهم قدم آخرون لوحاتهم الرائعة.

أشار الفنان الطاهر بوكروبي، في كلمة رافقت إحدى اللوحات، تضمنت جانبا من هذا التكريم، إلى أنه بعد 36 عاما من أول تكريم خص به الفنان محمد تمام، يعود هذا المتحف ليحتفي بإرثه الفني، من خلال معرض يجمع بين أعماله وأعمال تلامذته. ا يقتصر هذا المعرض على استحضار الماضي، كما يضيف الكاتب، بل يبرز استمرارية تجربة فنية نادرة، انتقلت من الأستاذ إلى تلامذته، وما تزال حية إلى اليوم، وهي لا تعرض الأعمال كقطع منفصلة، بل كحوار متواصل بين أجيال مختلفة، يجمعها نفس الحس الفني ونفس المرجعية الجمالية، كل فنان يقدم تجربته الخاصة، بعضهم يستلهم روح المنمنمة الكلاسيكية، وآخرون يعيدون قراءتها بلغة معاصرة، وهذا المعرض هو احتفاء بالتوارث الفني، ودليل على أن الفن، حين ينقل بشغف وصدق، يستمر ويتجدد.

العائلة تعيد بعث مؤسسة تمام

أقيمت بالمناسبة، ندوة نشطها الأستاذ بن دو، من متحف الآثار القديمة، أكد فيها أن تكريم تمام تزامن واليوم العالمي للمتاحف، علما أن اختيار هذا الفنان الذي يعتبر من جيل الرواد، هو ناتج عن أثره الباقي في الأجيال التي كونها، كما أنه كان أول محافظ جزائري ومدير للمتحف الوطني للآثار القديمة بعد الاستقلال، وإلى جانب إبداعه الفني وتميزه في فن المنمنمات الجزائرية، وخلال مسيرته الفنية والتربوية وعمله داخل المتحف، ساهم محمد تمام في ترسيخ دور المتحف كفضاء حي للذاكرة والمعرفة وتثمين التراث الثقافي.

شارك في تنشيط الندوة، الأستاذ سيد علي تمام، ابن أخ تمام (عبد المالك)، الذي أعطى الكثير من التفاصيل عن حياة عمه الفنان والإنسان، شاكرا بالمناسبة، القائمين على هذه الالتفاتة الرمزية، وأضاف أنه رأى عمه تمام يعود مع زوجته السيدة بهية من باريس في سنة 1963، واكتشف حينها، أن هذا العم له أربعة قطط يهتم بها جدا في بيته، لتظهر إنسانيته ورحمته على كل ضعيف، كما أشار إلى أن تمام لم يكن رساما فقط، بل كان عازفا ماهرا على العديد من الآلات الموسيقية، منها الكمان والموندولين وغيرها، وعمل مع فرق أندلسية ورافق العديد من الفنانين في طبوع أخرى، منها القبائلي مع سليمان عازم والحسناوي وكذا الشعبي مع العنقى، الذي كان يسافر معه لبعض المنتجعات، منها حمام ريغة، مثلا، كما كان يتردد على مقاهي القليعة والبليدة وغيرها.

ثقافة عالية في التاريخ والفلسفة

في مجال آخر، عرف تمام بثقافته العالية خاصة في مجال التاريخ والفلسفة وبضخامة مكتبته، وأنه تأثر بالثقافة الإسلامية وبالهوية الجزائرية، ما انعكس في أعماله، وغالبا ما كان يشاهد سيد علي عمه يحلم وهو يرسم، مذكرا أنه ابن القصبة البار غادرها مع عائلته، وهو لا يزال فتى، ليستقر في حي باب الوادي، وفي سنوات الثلاثينيات، تعرف على حسناء باريسية وتزوجها وأنجب منها طفله "جان"، وكان يزور عائلته بالجزائر حتى الأربعينيات، لكن بعدها تشتت هذه العائلة وغابت الأم وابنها الذي أصبح شابا، ودعي للخدمة العسكرية في الجزائر إبان حرب التحرير، لكنه رفض أن يقاتل شعبه، فعوقب وعاش في كندا، لكنه عاد لأبيه بعد الاستقلال وزار الجزائر، ولا يزال على تواصل مع سيد علي، وأشار إلى أنه ظل متأثرا بثقافة عمه، الذي حاور الفرنسيين وأثبت علو ثقافته، ليعلن بالمناسبة، عن إعادة بعث مؤسسة تمام التي يرأسها، والتي توقفت لفترة، سعيا لتخليد إرثه مع معارض تكريمية وملتقيات فنية وإصدار كتاب حول مسيرته، وكذا إطلاق مسابقة حوله، بالتعاون مع مدارس الفنون الجميلة بالجزائر، علاوة على جمع ما تبقى من أعماله التي بحوزة أصدقائه.

تضمنت الندوة، شهادات بعض تلاميذه، أبرزهم مقران زرقة، أستاذ بالمدرسة العليا للفنون الجميلة، الذي قال إن تمام كان يستقبل تلاميذه في بيته، وكان يعاملهم معاملة الأب، ويجيب على كل تساؤلاتهم، وخلال 3 سنوات بهذه المدرسة العريقة، لم ير فيها المتحدث، الراحل تمام يجهر بصوته أو يغضب أو يتلفظ بكلمة خارج السياق، فكان نعم القدوة، لقد رفض أي مجد يكلفه بقاءه بفرنسا، لكنه فضل العودة لأرض أجداده، ويعلم أبناء جلدته، كما اعتبر تمام بمثابة عمر راسم الثاني، وهما الصديقان اللذان تربط عائلتيهما علاقات أسرية متينة.

بسيط لم تُنسه باريس جزائريته

أما الفنان علي كربوش، فاعتبر الراحل تمام كالقبر المنسي، وأنه آن الأوان لإعطائه مكانته كرائد من رواد الفن والثقافة في الجزائر، متوقفا عند ذكرياته معه، سواء في بيته أو في أسفاره وعند أعماله المحفوظة بالمتحف، وأيضا طوابعه البريدية المستوحاة من التراث وغيرها، مثل مساهمته في الثورة، ضمن صفوف فيدرالية جبهة التحرير الوطني بفرنسا، ليدعو مع غيره من المشاركين في الندوة، إلى إطلاق اسم تمام على متحف الآثار القديمة أو أي مؤسسة ثقافية أو أكاديمية أخرى.

على هامش اللقاء، التقت "المساء" مع السيد سيد علي تمام، الذي كلمها عن محمد تمام، حيث وصفه بالجزائري البسيط الذي كان يعشق التردد على الحمامات الشعبية بالقصبة، وفي غيرها وكان يعشق أكلة السردين العاصمي، ولم تستطع باريس أن تنسيه جزائريته، كما كان خفيف الظل محبوبا عمل أيضا في الديكور، ومن ضمن ما أنجزه، ديكور ملهى الجزائر بالحي اللاتيني في باريس، لعائلة وردة الجزائرية، كما تعاطى الفن الشرقي وكان عازفا ماهرا على الكمان ورافق زوجته بهية التي غنت الشرقي، معلنا أيضا، أنه يسعى لاستعادة بيت تمام العائلي بالقصبة، الذي ولد فيه سنة 1919 ولو بشرائه .