ملتقى "أوراس للفكر والأدب" في دورته الثامنة

إصرار على إعادة بعث وإحياء رموز الفكر والثقافة

إصرار على إعادة بعث وإحياء رموز الفكر والثقافة
  • 494
عبد السلام بزاعي عبد السلام بزاعي

أوصى المشاركون في ختام فعاليات الدورة الثامنة لملتقى أوراس للفكر والأدب؛ إذ خُصِّصت هذه الدورة لروح الفقيد الشاعر محمد رفعة، بضرورة إعادة بعث وإحياء رموز الفكر والثقافة.

الملتقى دأبت على تنظيمه جمعية الشروق الثقافية لولاية باتنة بدار الثقافة محمد العيد آل خليفة، بإشراف من مديرية الثقافة والفنون، وبمساهمة وزارة الثقافة ودار الثقافة باتنة، في مشهد ثقافي مهيب، يفيض وفاءً للكلمة الصادقة، واحتفاءً بالذاكرة الإبداعية الجزائرية، وهو حرصٌ يتجدد كل سنة بمباركة ورعاية رسمية.

وجاء هذا الموعد الثقافي في لحظة رمزية تجمع بين الماضي والحاضر، حيث اجتمع محبو الشعر والفكر لاستعادة سيرة شاعر ظل اسمه محفورًا في الوجدان الأدبي. كما أصر المشاركون على أن يتفاعل الأدب بألوانه المختلفة داخل المشهد الفكري، مؤكدين ضرورة تبنّي الأدب الصادق بوصفه لسانًا فصيحًا، يؤدي وظائفه، ويضطلع بدور تنوير الرأي العام.

وأشاد رئيس جمعية الشروق الثقافية لولاية باتنة، الأستاذ مراد بركان، في كلمته الافتتاحية، بالمستوى الرفيع الذي بلغه ملتقى أوراس الوطني للفكر والأدب بعد بلوغه طبعته الثامنة، منوهًا بالجهود الجماعية المبذولة من طرف القائمين عليه، وكذا مختلف الشركاء والداعمين، الذين ساهموا في ترسيخ هذا الموعد الثقافي، وجعله محطة وطنية بارزة في المشهد الأدبي.

ومن جهته، أكد منسق الملتقى الدكتور طارق ثابت أن هذه الدورة تأتي وفاءً لرسالة الثقافة، وحفاظًا على ذاكرة الإبداع الوطني، من خلال استحضار اسم الشاعر الراحل محمد رفعة، أحد الأصوات الشعرية المتميزة، الذي ترك بصمة واضحة بمساهماته في مجال الشعر والإبداع، فكان شعره صرخة حرية، ومرآةً للإنسان والوطن.

وتميّز حفل الافتتاح بعرض شريط فيديو مؤثر للمرحوم الشاعر محمد رفعة وهو يلقي قصيدته الشهيرة "السجن الكبير"، في لحظة صمت وإنصات عميق أعادت للحضور صوت الشاعر، ونبض كلماته، قبل أن يتم تكريم عائلته في أجواء امتزجت فيها الدموع بالفخر والاعتزاز.

وفي المداخلة الافتتاحية، قدّمت الإعلامية الدكتورة زهرة بوسكين من ولاية سكيكدة، قراءة فكرية عميقة حول موضوع أهمية الرمزية السيكولوجية في العملية الإبداعية، حيث توقفت عند الأبعاد النفسية للرمز، ودوره في تشكيل النص الأدبي بوصفه أداة تعبيرية، تكشف خبايا الذات المبدعة، وتحول التجربة الشعورية إلى خطاب فني قادر على التأثير والاستمرار. وأبرزت في مداخلتها كيف تُساهم الرمزية السيكولوجية في تعميق المعنى، وربط النص بسياقه الإنساني والوجداني، مؤكدة أن الإبداع الحقيقي لا ينفصل عن البعد النفسي للمبدع، بل يتغذى منه، ويمنحه القدرة على تجاوز المباشر إلى آفاق الدلالة، والتأويل. كما كشفت عن جوانب خفية في الكتابة الأدبية، معتبرة إياها جانبًا مهمّا في تشخيص الاضطرابات النفسية، ووسيلة علاجية من خلال الاعتماد على الرمزية. 

وقد لاقت هذه المداخلة تفاعلًا لافتًا من الحضور لما اتسمت به من عمق علمي، وسلاسة في الطرح، ما جعلها إضافة نوعية لافتتاح أشغال الملتقى.

كما أبدع ضيوف الملتقى وأصدقاء الشاعر القادمون من عدة ولايات، في إلقاء نصوص شعرية راقية، واستحضار محطات من حياة الراحل، وخصاله الإنسانية، ومميزات تجربته الشعرية، من خلال شهادات لكل من الشاعر والمترجم محمد بوطغان (برج بوعريريج)، والأستاذ لخضر رحموني (بسكرة)، والشاعر الدكتور علاوة كوسة (سطيف)، والشاعر الدكتور محمد لخضر سعداوي (تقرت)، والشاعر شوقي ريغي (قسنطينة)، والشاعر أحمد صلاوي (وهران)، والأستاذ عبد المالك منصوري (باتنة).

وقُدمت مجموعة من القصائد والنصوص التي نالت إعجاب الجمهور، بمشاركة شعراء المنطقة، من بينهم: نورا القطني، وعليجة عبادلية، وسعاد كاشة، ونعيمة بوستة، وأنسة العشي. ومن الشعراء المحليين: بلقاسم عبد الحكيم، وأحمد حجيرة، وعبد الحق مواقي، وبالشاوية كل من علي عنون، وطارق مرداسي، ويونس بزالة.

وبحسب الشاعرة عليجة عبادلية التي ألقت قصيدة بعنوان "السجل" تناولت فيها القضية الفلسطينية وما وصفته بالدور المخزي للعرب في معاناة غزة الجريحة، فإن الملتقى كان عمومًا، موفقًا. وتميّز بمشاركة نوعية من شعراء من مختلف ولايات الوطن لهم وزنهم الثقافي والأدبي. كما ثمّنت جهود الجمعية، وما بلغته من نشاطات مميزة إلى غاية هذه الدورة، داعية إلى تثمين مثل هذه المبادرات الثقافية الهادفة؛ لتغيير المشهد الثقافي بالولاية.

وتميّزت فقرات الملتقى أيضًا بلمسة فنية راقية، حيث أبدع الموسيقار عبد الرؤوف عمورة في أسر إعجاب الحضور من خلال وصلات موسيقية ساحرة على آلة العود، انسابت ألحانها بدفء وعمق، فلامست الوجدان، ورافقت الكلمة الشعرية بنغمٍ عذب، أضفى على أجواء الملتقى بعدًا جماليًا خاصًا، وجعل من اللحظة لقاءً متكاملًا بين سحر الموسيقى، ووهج الإبداع الأدبي.

ويُذكر أنه على هامش الملتقى، نُظِّم معرض للكتاب، شكّل فضاءً ثقافيًا مكمّلًا لفعالياته، من تنظيم دار إدليس بلزما لصاحبها الكاتب عبد الرحمن قعودة، ودار إبداع بوك لصاحبها جعبة نصر الدين، حيث أتاح المعرض للزوار والمهتمين فرصة الاطلاع على أحدث الإصدارات الأدبية والفكرية، والتفاعل المباشر مع الكُتّاب، في صورة جميلة عكست تكامل الكلمة المكتوبة مع الفعل الثقافي الحي. وساهمت في إثراء أجواء الملتقى، وتعزيز حضوره المعرفي.