ندوة "دعم المملكة السعودية للثورة الجزائرية.."

إسناد سياسي ومالي وإعلامي رافق كفاح التحرير

إسناد سياسي ومالي وإعلامي رافق كفاح التحرير
  • 283
 نوال جاوت نوال جاوت

كانت المملكة العربية السعودية في مقدمة الدول التي ساندت كفاح الشعب الجزائري، سياسياً ودبلوماسياً ومالياً، وأسهمت، بقيادة الملك سعود بن عبد العزيز، في التعريف بها والدفاع عن حق الجزائريين في الحرية والاستقلال، إلى جانب تعبئة المساعدات الحكومية والتبرعات الشعبية. وهذه الجوانب، وغيرها، حاول المتدخلون في الندوة المعنونة بـ"مساهمة المملكة العربية السعودية في دعم الثورة الجزائرية”، المدرجة ضمن البرنامج الثقافي، المصاحب لصالون الجزائر الدولي للكتاب التاسع والعشرين، تسليط الضوء عليها.

الندوة التي احتضنتها، أول أمس، قاعة "آسيا جبار"، نشطها ثلة من الأساتذة الجامعيين، الذين تناولوا، كلٌ من زاويته البحثية، أشكال هذا الدعم، سواء الرسمي منه أو الشعبي. وكانت البداية مع السفير السابق، الأستاذ مصطفى بوطورة، الذي أدار الندوة، موضحاً أن الدعم السعودي اتخذ أشكالاً عديدة، منها الدبلوماسي والمالي والشعبي والرسمي والإعلامي، واستمر إلى غاية استرجاع السيادة الوطنية. وأضاف أن العلاقات الثنائية الراهنة ممتازة بكل المقاييس، وفي شتى المجالات، وهي تسير من الأحسن إلى الأحسن.

من العمل الإصلاحي إلى تدويل القضية

كان أول المتدخلين، الأستاذ رشيد ولد بوسيافة، الذي أشار إلى أن موضوع الندوة كبير جدا، لما ينطوي عليه من خصائص ومميزات، قائلاً “صحيح أننا تلقينا الدعم من كل الدول الحرة، وكانت الجزائر أيقونة الكفاح والنضال، لكن عند الحديث عن الدول العربية الداعمة نقسمها إلى نوعين: التي أعلنت مساندتها على الملأ، والتي ساندت وأخفت ذلك لاعتبارات عديدة”. وأكد أن المملكة ساندت الثورة في السر والعلن، وتحملت الكثير من الضغوط، مشيرا إلى أن جذور هذا الدعم تعود إلى سنوات العمل السياسي والإصلاحي، حين طلب رجال الإصلاح من المملكة المساهمة في وقف موجة التغريب الاستعمارية، فدعمت المدارس العربية وغيرها، وتوطدت علاقاتها بالجزائريين، خاصة مع ابن باديس والإبراهيمي والعقبي.

وأوضح ولد بوسيافة، أن مراسلات مصالي الحاج تضمنت طلباً من المملكة العربية السعودية، لبذل جهود من أجل تدويل القضية الجزائرية، وهو ما عملت عليه الرياض، من خلال إثارة المسألة أمام جامعة الدول العربية، قبل أن يتعزز الدعم ويظهر بصورة علنية مع اندلاع الثورة التحريرية. وأضاف أن المساندة المالية، اتسعت عقب اختطاف طائرة قادة الثورة الجزائرية، كما أُسس “يوم الجزائر” في المملكة لجمع التبرعات لفائدة الشعب الجزائري، مشيرا إلى أن الملك سلمان بن عبد العزيز، كان آنذاك أميرا لمنطقة الرياض ورئيسا للجنة الجزائر.

وتوقف المتدخل عند أحد أشكال الدعم الذي ميز الموقف السعودي، والمتمثل في التحرك الدبلوماسي داخل المحافل الدولية، موضحا أن جبهة التحرير الوطني طلبت من الملك سعود، تعيين المناضل العربي أحمد سعد الشقيري على رأس الوفد السعودي لدى الجمعية العامة للأمم المتحدة، وهو ما وافقت عليه المملكة. ورغم الضغوط الفرنسية الرامية إلى تنحيته، واصل الشقيري الدفاع عن القضية الجزائرية إلى غاية الاستقلال سنة 1962.

في هذا السياق، أشار ولد بوسيافة إلى أن أحمد الشقيري لفت، يوم 5 جانفي 1955، أنظار العالم إلى معاناة الشعب الجزائري تحت وطأة الاضطهاد الاستعماري الفرنسي، بعد شهرين من اندلاع الثورة التحريرية. كما نجحت المملكة، حسب المتدخل، في إقناع 14 دولة إفريقية وآسيوية بضرورة إدراج القضية الجزائرية، ضمن جدول أعمال الجمعية العامة للأمم المتحدة، غير أن معارضة فرنسا وبريطانيا والولايات المتحدة، حالت دون تحقيق ذلك في تلك المرحلة.

وأضاف أن المملكة اتخذت مواقف سياسية حازمة تجاه فرنسا، فقطعت علاقاتها الدبلوماسية معها سنة 1956 احتجاجاً على سياساتها الاستعمارية، وربطت استئنافها بتحقيق استقلال الجزائر واستعادة شعبها حقوقه. كما ساندت الحكومة الجزائرية المؤقتة برئاسة فرحات عباس، وواصلت الدفاع عن القضية الجزائرية في إطار الجامعة العربية، بما عزز حضورها في المحافل السياسية والدبلوماسية الدولية.

المساعدات المالية والتبرعات الشعبية

من جهته، تناول الأستاذ عبد الله مقلاتي في مداخلته، جوانب متعددة من الدعم السعودي، وفي مقدمتها الإسناد المالي والدبلوماسي، مؤكدا أن المملكة عملت على تدويل القضية الجزائرية والدفاع عنها في المحافل العربية والدولية، وحشد التأييد الدولي لحق الشعب الجزائري في تقرير مصيره والتخلص من الاستعمار الفرنسي.

وتطرق المتدخل إلى حملات التبرع الشعبية الواسعة، التي شهدتها المملكة لفائدة الجزائريين، والتي شملت جمع الأموال والمساعدات العينية، تعبيرا عن التضامن مع شعب كان يخوض حربا طويلة من أجل الاستقلال. وأشار إلى أن الملك سلمان بن عبد العزيز، الذي كان آنذاك أميرا لمنطقة الرياض، ترأس اللجنة الرئيسية لجمع التبرعات من أجل الجزائر سنة 1956، وأسهم في تنظيم الحملة وحشد المواطنين للمشاركة فيها. كما أشار إلى أن الدعم السعودي شمل جوانب مادية مرتبطة باحتياجات الثورة، من بينها إمدادات الذخيرة التي أُرسلت إلى الأوراس، قبل أشهر قليلة من اندلاعها، وهو ما يعكس، حسب المتدخل، امتداد المساندة إلى توفير بعض الاحتياجات المادية المرتبطة بالكفاح المسلح.

أما الأستاذ عمر بوضربة، فتمحور تدخله حول الدعم المالي، الذي شكل أحد أبرز أوجه المساندة السعودية للثورة الجزائرية، إذ لم تقتصر المساعدات على التبرعات الشعبية، بل شملت أيضاً اعتمادات حكومية ومبالغ خُصصت بصورة منتظمة لمساندة جبهة التحرير الوطني والحكومة الجزائرية المؤقتة. وفي هذا السياق، استحضر المتدخل شهادة أحمد توفيق المدني، أحد ممثلي جبهة التحرير الوطني في الخارج، بشأن الاستقبال الذي حظي به الوفد الجزائري في الرياض، حيث استمع الملك سعود بن عبد العزيز إلى مطالبه بتفهم، وأبدى استعداده لتقديم الدعم اللازم للقضية الجزائرية.

ومن الشهادات التي بقيت حاضرة في الذاكرة الجزائرية، العبارة المنسوبة إلى الملك سعود، لدى استقباله الوفد الجزائري بقيادة أحمد توفيق المدني، حين عبر عن تضامنه مع تضحيات المجاهدين قائلا “أنتم تدفعون ضريبة الدم، ونحن ندفع ضريبة المال، والله يوفقنا جميعا”، وتضمنت الترتيبات التي أعلنها الملك فتح اكتتاب شعبي بمبلغ مائة مليون فرنك، على أن تساهم الحكومة بمبلغ 250 مليون فرنك، مع ضمانه لهذه المساهمة. كما تقرر تحويل الأموال مباشرة إلى ممثلي جبهة التحرير الوطني، وفق طلبهم، وإيداعها في حسابهم بدمشق.

وقد عكست حصيلة حملة "يوم الجزائر" لسنة 1956، حجم التفاعل الشعبي مع الثورة، إذ بلغت التبرعات أربعة ملايين ومائتي ألف ريال سعودي، أعقبها أمر ملكي بمنح الجزائر مبلغا إضافيا قدره 250 ألف جنيه إسترليني. وفي مناسبة الخامس عشر من شعبان سنة 1958، كان الملك سعود أول المتبرعين بمليون ريال سعودي، إلى جانب مساهمة حكومية بلغت مليونين ونصف مليون ريال.

روابط تاريخية وعلمية وإعلامية

من جانبه، أكد الدكتور رضوان شافو، أن التضامن السعودي الجزائري لم يبدأ مع اندلاع الثورة التحريرية في الفاتح من نوفمبر 1954، بل تعود جذوره إلى القرن التاسع عشر، حين أسهمت رحلات الحج والهجرة إلى بلاد الحجاز في بناء روابط علمية وفكرية وجهادية بين الشعبين، وتبادل الأفكار الإصلاحية المناهضة للاستعمار. وقد تعززت هذه الصلات خلال النصف الأول من القرن العشرين، بفضل جهود علماء جمعية العلماء المسلمين الجزائريين، ومراسلاتهم مع القيادة السعودية وعلمائها، لتشكل قاعدة للتضامن مع كفاح الشعب الجزائري من أجل الاستقلال.

وأوضح المتدخل أن مكة المكرمة، كانت ملتقى للعلماء ورجال المقاومة من مختلف أنحاء العالم الإسلامي، ومن بينهم الشريف محمد بن عبد الله، الذي تبلورت لديه فكرة مقاومة الاستعمار الفرنسي خلال رحلة الحج، حيث التقى بالشيخ محمد بن علي السنوسي، قبل أن يعود إلى الجزائر ويعلن مقاومته من منطقة ورقلة. كما اضطلع علماء جزائريون، من بينهم الشيخ البشير الإبراهيمي والشيخ الفضيل الورتلاني وأحمد توفيق المدني، بدور مهم في توثيق الصلات بالمملكة وحشد الدعم للقضية الجزائرية.

وأضاف الدكتور شافو، أن مراسلات العلماء الجزائريين أسهمت في التعريف بأوضاع الشعب الجزائري، وصولاً إلى مذكرة الشيخ محمد الخضر حسين سنة 1945، التي عرض فيها معاناة شعوب المغرب العربي تحت الاستعمار الفرنسي، وأعقبها تنديد سعودي بمجازر الثامن من ماي من السنة نفسها، خلال اجتماع جامعة الدول العربية بالقاهرة. وفي السياق نفسه، أشار إلى مساهمة علماء سعوديين في إسناد الثورة، كما ساهمت الدعوات المتكررة إلى التبرع خلال موسم الحج في توسيع قاعدة المساندة الشعبية للجزائريين.

وتطرق المتدخل، إلى دور الإعلام السعودي في التعريف بتطورات الثورة، ونقل أخبار معارك جيش التحرير الوطني، وإدانة الجرائم الاستعمارية الفرنسية، ومواجهة الدعاية التي سعت إلى تشويه نضال الجزائريين. وخصصت صحف، من بينها مجلة "المنهل"، مساحات للقضية الجزائرية، كما بثت الإذاعة السعودية برامج تاريخية عن الثورة ونداءات لجمع التبرعات، وأتاحت للمواطنين التعبير عن تضامنهم مع الشعب الجزائري.

واختتم الدكتور شافو عرضه، بالتأكيد على استمرار المساندة السعودية إلى غاية استعادة الجزائر استقلالها سنة 1962، حين عمت الاحتفالات مختلف المدن السعودية ابتهاجاً بالمناسبة، ووجه الملك سعود برقية تهنئة إلى الرئيس يوسف بن خدة. وخلال مأدبة أقيمت على شرف الوفد الجزائري احتفاءً بالاستقلال، أكد الملك سعود استمرار دعمه للبلاد في مرحلتها الجديدة، قائلاً “كما كنت أول متبرع للجزائر المجاهدة، سأكون أول متبرع للجزائر المستقلة. لقد أصدرت أمري بوضع مليار فرنك حالاً في حسابكم، وأرجو أن يقتدي بذلك بقية الإخوان".