الملتقى الدولي للتراث الموريسكي حوار الذاكرة والهوية
إرث الأندلس في الجزائر.. من المنفى إلى الإبداع
- 133
ح. شبيلة
أكد المشاركون في الملتقى الدولي حول "التراث الموريسكي في الجزائر، ذاكرة وهوية مشتركة"، أن الذاكرة الموريسكية تمثل إحدى الركائز العميقة في تشكيل الشخصية الثقافية الجزائرية، باعتبارها امتدادا لتاريخ إنساني معقد، صنعته التحولات الكبرى في حوض المتوسط، مطلع القرن السابع عشر.
شدد المتدخلون في الملتقى، الذي احتضنه، أول أمس، قصر الثقافة "محمد العيد آل خليفة" بقسنطينة، على أن الهجرة القسرية للموريسكيين، لم تكن مجرد حدث عابر في سياق سقوط الأندلس، بل محطة مفصلية أعادت رسم خرائط الاستقرار والعمران والمعرفة، وأسست لحضور حضاري، ظل أثره متجذرا في المدن الجزائرية إلى يومنا هذا.
دعا المشاركون في الملتقى الدولي، الذي جمع ثلة من المؤرخين والباحثين من إسبانيا، تركيا وتونس والجزائر، إلى ضرورة إعادة قراءة هذا الإرث برؤية علمية متجددة، تربط بين البعد التاريخي وأسئلة الهوية الراهنة، معتبرين التراث الموريسكي رصيدا ثقافيا حيا، لا مجرد ذاكرة مؤرشفة. كما أبرزوا أهمية تثمين مكوناته المعمارية والفنية والفكرية، وصون عناصره غير المادية من موسيقى ومعارف تقليدية، باعتبارها جسرا للتواصل الحضاري ومجالا خصبا للإبداع المعاصر، بما يعزز حضور الجزائر في فضائها الثقافي المتوسطي، ويمنح قسنطينة موقعها الطبيعي، كحاضنة للنقاش العلمي حول هذا الإرث المشترك.
محاكم التفتيش أداة لطمس الهوية
في هذا السياق، قدم الدكتور عبد الله حمادي، في مداخلة بعنوان "الموريسكيون ومحاكم التفتيش في الأندلس وهجرتهم إلى الجزائر"، قراءة تاريخية معمقة، أعادت تسليط الضوء على واحدة من أكثر المحطات إيلاما في الذاكرة الأندلسية، متوقفا عند سياسات القمع الديني والثقافي، التي مارستها محاكم التفتيش الإسبانية بحق الموريسكيين، بعد سقوط غرناطة، حيث أبرز المؤرخ كيف تحولت هذه المحاكم إلى أداة لطمس الهوية وملاحقة المعتقد واللغة والعادات، ما دفع بآلاف العائلات إلى خوض مسارات هجرة قسرية نحو الضفة الجنوبية للمتوسط، مشيرا إلى أن الجزائر شكلت إحدى أبرز محطات الاستقرار وإعادة البناء.
وأشار الدكتور حمادي، إلى أن هذه الهجرة لم تكن مجرد انتقال جغرافي، بل كانت تحولا حضاريا عميقا، أسهم في إعادة تشكيل البنية الاجتماعية والاقتصادية والثقافية للمدن الجزائرية، إذ حمل الموريسكيون معهم خبراتهم في العمران والحرف والعلوم والفنون، فامتزجت ذاكرتهم بالأرض الجديدة، لتنتج إرثا لا يزال حاضرا في المعمار والأنماط الحياتية. وبذلك، وضع المتدخل هذه المأساة في سياقها الإنساني الواسع، مؤكدا أن فهم تاريخ الاضطهاد والهجرة، يظل مفتاحا لقراءة التراث الموريسكي في الجزائر، باعتباره ثمرة صمود وهوية متجددة، لا مجرد صفحة من الماضي.
أنماط معمارية بروح الأندلس
أما الدكتور أحمد سعداوي، الأستاذ بكلية الآداب والفنون بتونس، فقدم في مداخلة موسومة بـ«التراث المعماري الموريسكي في تونس"، قراءة تاريخية وجمالية معمقة، أبرز من خلالها كيف أسهم الموريسكيون الوافدون إلى تونس، في إثراء المشهد العمراني المحلي بأنماط معمارية، حملت روح الأندلس وخصوصيتها الفنية. وأوضح أن هذا التراث لم يكن مجرد نقل لأساليب زخرفية، بل كان تفاعلا خلاقا بين الذاكرة الأندلسية والبيئة التونسية، تجلى في تخطيط المنازل والحدائق وتوظيف الأقواس والزليج والنقوش الدقيقة، بما يعكس هوية معمارية متميزة، صنعتها الهجرة وحفظها الاندماج، وقد شدد سعداوي في تدخله، على أن العمارة الموريسكية في تونس، تمثل اليوم شاهدا ماديا على مسار تاريخي مشترك، وركيزة ثقافية تستدعي المزيد من البحث والحماية والتثمين.
في مداخلة بعنوان "جمالية العمارة الأندلسية بين روعة الفن الإسلامي وانبهار العقل الأوروبي"، سلط الدكتور خوسيه ميغيل بويرتا فليشيت، الأستاذ بجامعة غرناطة وعضو الأكاديمية الملكية للفنون الجميلة بغرناطة، الضوء على البعد الحضاري والجمالي للعمارة الأندلسية، باعتبارها أحد أهم تجليات الفن الإسلامي في الغرب، حيث أبرز كيف شكلت الأندلس فضاء تلاقحت فيه القيم الجمالية مع الرؤية الروحية، حيث تحولت العناصر المعمارية من أقواس وزخارف هندسية ونباتية وخط عربي، إلى لغة بصرية متكاملة، تعبر عن فلسفة جمالية قائمة على الانسجام والتوازن والبحث عن الكمال.
ذاكرة مشتركة بين الضفتين
وأكد المحاضر الإسباني، أن تأثير هذا الإرث لم يتوقف عند حدود العالم الإسلامي، بل امتد ليحدث انبهارا عميقا لدى العقل الأوروبي، الذي وجد في العمارة الأندلسية نموذجا فنيا متفردا، أعاد تشكيل نظرته إلى الفضاء والضوء والكتلة المعمارية. كما أشار إلى أن التراث الموريسكي، بما يحمله من رمزية تاريخية وثقافية، يمثل اليوم ذاكرة مشتركة بين الضفتين، وجسرا حضاريا يعكس قدرة الفن على تجاوز الصراعات وصناعة مساحات للتفاهم والتقارب، وهو ما يمنح هذا الملتقى بعدا علميا وإنسانيا، يتجاوز حدود البحث الأكاديمي نحو استعادة قيم التعايش والإبداع المشترك.
وقد شهد الملتقى الدولي، بمشاركة أساتذة ومختصين من تركيا وإسبانيا وتونس، تقديم مداخلات علمية ثرية، تعمق النقاش حول أبعاد التراث الموريسكي، على غرار الدكتور محمد حمودي مريسري أوغلو من جامعة إسطنبول، والباحثة مايا سعيداني من المركز الوطني للبحوث في عصور ما قبل التاريخ، إلى جانب الأستاذ عبد المليك مرواني والدكتور هشام بن سنوسي والتونسي زهير بن يوسف وعديد الباحثين، حيث تقاطعت القراءات التاريخية والمعمارية والموسيقية والفكرية في مقاربة متعددة التخصصات.
دكار للسينما وبن خلاف للعيساوة
في سياق آخر، عينت وزيرة الثقافة والفنون، السيدة مليكة بن دودة، عبد الحكيم دكار محافظا للمهرجان الدولي "بانوراما السينما"، وأحمد بن خلاف محافظا للمهرجان الوطني للعيساوة، في إطار رؤية استراتيجية ترمي إلى إعادة الاعتبار للمهرجانات كمنصات حقيقية للإبداع والحوار الثقافي، وضمان إشعاعها على المستويين الوطني والدولي.
وجاء هذا التعيين، أول أمس، على هامش الزيارة التي قادت الوزيرة إلى قسنطينة، للإشراف على افتتاح الملتقى الدولي للتراث الموريسكي بالجزائر، حيث عكس القرار توجها واضحا نحو تكريس التوازن بين الفنون المعاصرة والتراثية، وجعل المهرجانات فضاءات للتلاقي بين الماضي والحاضر، بما يساهم في صقل الحركة الفنية الوطنية وتعزيز تفاعل الجمهور مع الإبداع المحلي.
ويشكل مهرجان "بانوراما السينما ـ قسنطينة "إضافة نوعية للساحة السينمائية الجزائرية، إذ أُسس رسميا ليكون مهرجانا دوليا سنويا، يعنى بعرض أبرز الإنتاجات السينمائية الجزائرية والعالمية، مع تخصيص فضاءات للنقاش وورشات للتكوين الفني، في مسعى لدعم المبدعين الشباب وتشجيع المشاريع السينمائية المبتكرة، والانفتاح على التجارب العالمية، بما يعزز مكانة السينما الجزائرية ويمنحها منصة دولية للتبادل الفني.
كانت عودة المهرجان قد تحققت بدعم مباشر من رئيس الجمهورية، السيد عبد المجيد تبون، استجابة لتطلعات الأسرة الثقافية بقسنطينة، في تأكيد على إيمانه بدور الثقافة والفن في بناء الإنسان وترسيخ الهوية الوطنية. كما تم ترسيم مهرجان "بانوراما السينما ـ قسنطينة" رسميا، بموجب القرار المؤرخ في 23 ديسمبر 2025، الصادر في العدد الأخير من الجريدة الرسمية، والمتضمن تأسيس المهرجان الثقافي الدولي السنوي بقسنطينة، معلنا بذلك عودته إلى الساحة الثقافية بعد سنوات من التوقف.يعد هذا المهرجان، أول تظاهرة سينمائية عرفتها الجزائر خلال ثمانينيات القرن الماضي، حيث شكل آنذاك فضاء رائدا لاحتضان الإبداع السينمائي، وتعزيز الحوار الفني، وأسهم في ترسيخ الوعي الثقافي والسينمائي بمدينة الجسور المعلقة، ما سيمنح عودته اليوم، حسب إجماع فناني الولاية ومثقفيها بعدا رمزيا، يعكس استمرارية المشروع الثقافي الوطني.
وعلى الجانب التراثي، يمثل المهرجان الوطني للعيساوة، الذي تم تعيين أحمد بن خلاف محافظا له، أول أمس، قيمة فنية وروحية أصيلة، إذ يحتفي بالموسيقى الصوفية والإنشاد المرتبط بالطريقة العيساوية، باعتباره جزءا عميقا من التراث الشعبي الجزائري، حيث يأتي إحياء هذا الموعد الثقافي، بعد غياب دام نحو 14 سنة بولاية قسنطينة، في خطوة ترمي إلى إعادة الاعتبار لهذا الموروث الغني، وترسيخ ارتباط المجتمع بفنه الروحي.
ويهدف المهرجان إلى الحفاظ على التراث العيساوي الفني والروحي وتثمينه، مع إبراز دوره في الثقافة الجزائرية، فهو يشكل مناسبة لامتزاج عبق التاريخ بنتاج الحاضر، ومنصة تجمع بين الأصالة والتوثيق لفن العيساوة، عبر عروض فنية متنوعة تجمع الفرق المحلية والوطنية وتعكس التنوع الثقافي الجزائري.