مركز الكراسك بوهران
إبراز التسامح والعيش المشترك في التجارب الروحية
- 119
د. مالك
ينظّم مركز البحث في الأنثروبولوجيا الاجتماعية والثقافية "الكراسك" بوهران، اليوم الإثنين، منتدى علميا موسوما بـ"رجال الفضائل والجود" حول التسامح، والعيش المشترك بسلام في التجارب الروحية، بمناسبة الاحتفال باليوم الدولي للعيش معاً في سلام.
يناقش منتدى "رجال الفضائل والجود. التسامح والعيش المشترك بسلام في التجارب الروحية"، الكيفية التي يعيد بها التصوّف في السياقين الإسلامي والمسيحي، تعريف العلاقة مع الآخر في المجتمع انطلاقاً من سؤال مركزي هو: "هل يشكّل التصوّف مجرّد خطاب أخلاقي حول التسامح، أم أنه ينتج نمطاً خاصاً من إدارة الاختلاف، يتحول إلى ممارسات فعلية للعيش المشترك بسلام؟"، بافتراض أنّ التصوّف لا يختزل التسامح في معنى "تحمّل الاختلاف"، بل يؤسّسه علاقة وجودية وأخلاقية مع الآخر، تنعكس اجتماعياً في أشكال التعايش. وعلى المستوى المفاهيمي، يُفهم التسامح هنا بوصفه إعادة تأويل للاختلاف بما يحدّ من الإقصاء، في حين ينظر إلى العيش المشترك بسلام باعتباره نظاماً من العلاقات اليومية، القائمة على الكرم، والوساطة، والاعتراف العملي بالآخر، وليس مجرّد غياب للتوتر والنزاع.
وفي هذا الإطار، تكشف المقاربات الفلسفية أنّ التصوّف يفتح أفقاً خاصاً للتسامح؛ إذ يتأسّس، كما عند ابن عربي، على سبيل المثال، على تصوّر الحقيقة يجمع بين الأصل والتعدّد في التجليات، ما يسمح بدمج الاختلاف ضمن أفق وجودي أوسع، ويؤدي إلى ما يمكن تسميته "تسامحاً وجودياً". وبالمقابل، يرتبط السلام عند أوغسطينوس بفكرة "نظام المحبة"، حيث يتحقّق الانسجام من خلال ترتيب العلاقات وفق المركزية الروحية، وهو ما يتيح إمكانية التعايش دون الإقرار بتعدّد الحقيقة، كاشفاً بذلك عن نمط من التسامح الأخلاقي المنضبط. أما من الناحية السوسيو- أنثروبولوجية فتُظهر التجارب الروحية أنّ التسامح والعيش المشترك لا يُفهمان فقط على مستوى الخطاب، بل يُنبّهان عبر الممارسة اليومية والطقوس، مثل الذكر، والاستماع، والضيافة التي تنتج "جماعات وجدانية" تعيد تشكيل الحدود بين أنا والآخر.
وفي هذا السياق، يتحوّل السلام إلى أسلوب حياة. ويتجسّد في سلوكيات ملموسة تقوّمها قيم العفو، والاحتواء، والانفتاح، وبذلك يُنظر إلى التجربة الروحية بوصفها آلية لإنتاج التماسك الاجتماعي، من خلال أخلاقيات المحبة والجود، حيث تساهم في تعزيز التضامن، وتعبّر عن نمط من التديّن الذي يخفّف من حدّة النزاعات والتوترات. كما ينتج رأسياً قائماً على الشرعية الأخلاقية والكرم، بما يتيح "لأهل الفضيلة والجود" أداء أدوار نقل ذاكرة المحبة، وتأسيس نماذج للوساطة الاجتماعية، وبالتالي يتّضح أنّ التجربة الروحية تنتج شكلاً من التسامح الأخلاقي، الذي يعيد تأويل الاختلاف، ويحدّ من الإقصاء، وأنّ العيش المشترك بسلام يمثّل النتيجة الاجتماعية لهذه الرؤية، من خلال ممارسات الكرم، والوساطة والاحتواء.
وتظلّ التجارب الروحية رغم قدرتها على إنتاج أشكال من التماسك والتعايش، مشروطة بسياقاتها التاريخية والاجتماعية. ولا تقوم على الأسس الفلسفية والحقوقية المجرّدة التي نجدها في التصوّرات الحديثة، بل تُبنى على شبكات أخلاقية ورمزية قابلة لإعادة التشكّل؛ ما يفتح المجال لأسئلة نقدية حول حدود وإمكانات تحويل هذه الرؤى والتجارب إلى نماذج مؤسّسية في المجتمعات المعاصرة.