ورشة الحلي بقصر "رياس البحر"

إبداع يتشكل بلمسات ويُكتمل بصنعة اليدين

إبداع يتشكل بلمسات ويُكتمل بصنعة اليدين
  • 127
آية توازي آية توازي

احتضن قصر "رياس البحر" (حصن 23)، أول أمس، ورشة فنية متميزة في مجال "صناعة الحلي"، أشرفت عليها الحرفية ياسمين، في مبادرة جمعت بين الإبداع والتعلم، وهدفت إلى تمكين المشاركين من استكشاف قدراتهم الفنية في هذا الحقل الحرفي الدقيق، وإنجاز أعمال خاصة تعكس ذوقهم الشخصي، في إطار مسعى يعزز دور المركز في صون الحرف التقليدية وترقية الفن اليدوي.

في هذا الصدد، أكدت الحرفية ياسمين توزيار لـ«المساء"، أن الإقبال على هذا النوع من الفنون اليدوية ملحوظ جدا، لاسيما من طرف الأطفال الذين تتراوح أعمارهم بين الثامنة فما فوق، مشيرة إلى أن السر وراء هذا الانجذاب، يكمن في الرغبة العفوية لدى الناشئة، في العمل اليدوي وتركيب الحلي بأنفسهم، ما يدفعهم للمشاركة بشغف في هذه الورشات التعليمية.

أوضحت الحرفية أيضا، أن هذه الورشة تمثل متنفساً لكل طفل، ليخرج طاقاته الإبداعية الكامنة، حيث تساعد هذه الأنشطة على تعزيز قدرة المشاركين على التركيز، كما تتيح لهم فرصة اكتساب مهارات جديدة، قد تتطور مع الوقت، لتصبح حرفة حقيقية يتقنونها منذ الصغر، ما يرسخ لديهم الوعي بأن العمل اليدوي، مهارة قائمة بذاتها.

من جهة أخرى، شددت الحرفية على أن المهارة الأساسية، التي يخرج بها المشاركون في نهاية هذه الورشة، هي القدرة على تصميم وتنفيذ عمل فني خاص بهم بشكل شخصي ومميز. وأوضحت أن هذا المسار لا يتطلب مهارات فنية مسبقة، بل هو متاح لأي طفل، مؤكدة أن أي إنسان مبتدئ، لديه الشغف، هو مرشح للنجاح في هذا العالم الفني، حيث تظل الموهبة والتركيز المحرك الأساسي لأي إبداع يدوي.

كما فصلت توزيار بأن تعليم الطفل كيفية "صناعة شيء من لا شي"، ليس مجرد مهارة تقنية، بل هو تدريبٌ على الصبر، وتهذيبٌ للذائقة الجمالية، وبناءٌ لشخصية مستقلة تدرك قيمة "صنع اليد" في زمن السرعة والجاهزية، وهو ما يضمن استمرارية التراث الحرفي عبر أجيالٍ جديدة، تنظر إلى المواد الأولية بعين الفنان، لا بعين المستهلك. في هذا السياق، لفتت الانتباه إلى أن هذه الورشات، لا تقتصر على الجانب التقني فحسب، إذ يُمكن القول إنها بمثابة خط دفاعٍ أول لاستعادة المهارات اليدوية.

وفي حديثها عن تحديات تعلم صناعة الحلي، أوضحت الحرفية قائلة، إن التحدي الأكبر ليس في دقة الأدوات، بل في ترويض النفس لصالح بطء الحرفة، ففي زمن يقدس السرعة، تفرض علينا معادن الحلي التمهل والتعامل مع المادة بصبرٍ طويل، يصطدم المتعلم في البداية بعناد المعدن الذي لا يطاوع خياله، ما يولد إحباطاً آنياً، لكن سرعان ما يدرك أن صياغة الحلي ليست مجرد تشكيل معدن، بل هي رحلة صراع مع الذات لمصالحة الفكرة مع اليد، والوصول إلى التناغم المثالي بين الإرادة والمادة.

من جهتها، أكدت منظمة هذه الورشة، أمينة محند اعراب، أن هذه الفعاليات تُعد جزءاً من سلسلة أنشطة دورية يخطط لها مركز الفنون والثقافة، وتهدف بشكل أساسي، إلى دعم الحرفيين وتوفير فضاء لهم، للترويج لأعمالهم وصنعة أيديهم، ما يساهم في الحفاظ على هذا التراث من الاندثار. وبالإضافة إلى دورها التكويني، من خلال تقديم ورشات مباشرة للزوار، فإن هذه المبادرات تمثل وسيلة فعالة للمساهمة في حفظ الموروث الشعبي.

وأوضحت المتحدثة أيضا، أنه لا توجد فئة عمرية محددة للمشاركة، رغم أن لكل ورشة خصوصيتها. كما شددت على أن الحلي المصنوعة يدوياً، تتميز بالأصالة والروح الفنية، بعيداً عن الصناعات المفبركة. لافتةً إلى أن جدولة هذه الورشات تتم طوال السنة، لتواكب المناسبات الوطنية والأعياد، كاليوم العالمي للمرأة، شهر التراث، ويوم الشهيد، لضمان استمرارية نقل هذه الحرف للأجيال المستقبلية.

وأشارت إلى أن حضور الأطفال في هذه الورشات يلقى اهتماماً كبيراً، حيث يتم استقبالهم ضمن ضوابط تضمن سلامتهم. وقالت إن لكل ورشة خصوصيتها، كما يتم اتخاذ إجراءات وقائية للأطفال الأصغر سناً، لضمان سلامتهم وتجنيبهم أي مخاطر قد تنتج عن الأدوات المستخدمة في الصناعات الحرفية. وأبدى الصغار حماسا كبيرا وتفاعلا ملحوظا في هذه الورشة، التي كانت بمثابة فضاء مثالي لتفريغ طاقتهم وتعزيز مهاراتهم، واكتشافهم كذلك لعالم الحرف وصناعة قطع فنية بأناملهم الصغيرة، ما منحهم فرصة التعلم وتطوير مواهبهم في بيئة محفزة، تحت إشراف متخصص.