"نبض الطبيعة" لأحلام راجي
ألوان بربيع العمر وخطى على دروب الإبداع
- 234
مريم . ن
أقامت الفنانة أحلام راجي معرضها التشكيلي الأوّل "نبض الطبيعة" برواق "عائشة حداد"، محتفلة بلوحاتها المفعمة بالحياة والشباب، عازمة على استكمال درب الإبداع بخطى أكثر ثباتا وثقة، ومعتبرة الموهبة كنبتة زرعو تحتاج للرعاية؛ كي تنمو، وتزهر، وتعطي أجمل ما فيها من عطر، وثمر. وتبني هذه الشابة مشروعها الفني على أساس متين، عماده قناعاتها الفلسفية العميقة، المنفتحة على الحياة، والجمال، والأمل بعيدا عن الاستسلام، واليأس. دخلت الفنانة أحلام (من مواليد 1994) على عجل، إلى معرضها؛ كي تكون في موعدها الذي ضبطت ساعته مع "المساء"، مبتسمة، مرحبة، وأيضا معبرة عن فرحتها وهي تحتفل بمولودها الأوّل "نبض الطبيعة".
على آثار الوالد الرسام
عن بداياتها مع هذا العالم الجميل قالت: "عشقت الرسم منذ طفولتي المبكرة. كنت أرسم، ثم أرسم، ولا أكفّ عن رسم كلّ ما يخطر على بالي، أو تلتقطه عدسة عيني. وقد كنت أيضا أفتّش في دفاتر والدي الرسام، والكاتب، فأرى ما يرسمه، وأتصفّح ما يكتبه دون أن أفهم نصوصه لصغر سني، خاصة تلك الفقرات التي تحمل معاني فلسفية تتجاوز عقلي الصغير. زد على ذلك ولعي وسعادتي بكتب والدي الفنان الخاصة بفن النحت؛ حيث كانت تزدحم فيها التماثيل، وكتب أخرى عن الفن التشكيلي، فاكتشفت من خلالها وبعد نضجي، نوعا ما الأساليب الفنية من سريالي، وتكعيبي، وغيرها من الأساليب" ، لتضيف: "كلّ ذلك أثّر فيَّ كثيرا. وقرّرت من حينها أن أكمل مشوار والدي الفنان، الذي انسحب من عالم الرسم؛ لأسباب عديدة، لكنّه بقي مشجّعا موهبتي".
وعن دراستها أشارت التشكيلية إلى أنّها دخلت جامعة المدية حيث مسقط رأسها، لتلتحق بكلية الحقوق والعلوم السياسية. كما درست، بالمقابل، تخصّص الفنون المطبعية ببئر مراد رايس بالعاصمة. وبرزت في هذا التخصّص خاصة الرسم الذي كانت حصته الأقرب إليها، وتحقّق فيها أعلى العلامات، لتنتقل بعدها إلى مدرسة "مرسم" dz بشارع الأمير عبد القادر وسط العاصمة تخصّص الرسم الأكاديمي. وسعدت لأنّها وجدت نفسها مع أساتذة فنانين أكفاء، تعلّمت معهم مبادئ وأبجديات الرسم من مراحله الابتدائية.
الطبيعة والإنسان بفصول عمر واحد
وعن معرضها الذي أُقيم مؤخرا برواق "عائشة حداد"، أكّدت أنّها فكرت فيه منذ سنة 2017، لكن الظروف لم تسمح؛ بسبب ضيق الوقت، وانشغالها الأوّل بالدراسة، ودخولها عدّة تربصات تطبيقية، علما أنّها قامت بإنجاز الكثير من الأعمال والمشاريع، منها لوحات وجداريات، وكذا الرسم على الفخار. وتعاملت مع عدّة جهات، منها شركة يابانية بالعاصمة.
وبالمناسبة، تقدّمت بشكرها، وعرفانها لبعض الفنانين المحترفين الذين قدّموا لها يد المساعدة، منهم الفنان عمر كارنو، الذي لم يبخل عليها بالنصيحة، والتوجيه. المعرض، كما أشارت صاحبته، يضم 23 لوحة، منها لوحات ثنائية؛ أي أنّ رسما واحدا يمتدّ عبر لوحتين متكاملتين. وعن عنوان المعرض قالت: "أعشق الطبيعة، وأرتاح في ربوعها؛ ففيها نسمع دواخلنا، وتطمئن نفوسنا. زد على ذلك، فإنّ الإنسان في حدّ ذاته، يشبه الطبيعة. ففي عمره تتجلى الفصول الأربعة، وهو متّصل دوما مع هذا المحيط الحيّ والخلاب. أما النبض فهو حياة الطبيعة، وأنفاسها ".
وجالت الفنانة مع "المساء" عبر أروقة المعرض. ومن ضمن اللوحات التي وقفت عندها لوحة "نميرة" ، وهي لبؤة جميلة ذات عيون خضراء، تبدو وكأنّها تنظر للزائر لتتعرّف عليه. كذلك لوحة الطاووس ذي التاج المذهب، والذيل المزركش. قالت الفنانة إنّها رصّعته أيضا بالريش الطبيعي، ليبدو ذيله كفستان سهرة باهر.
ثم توالت الحيوانات منها الحصان، وأيضا الأفعى التي بدت حقيقية زاحفة، استعملت فيها الفنانة تقنية ثلاثي الأبعاد، أو ما يُعرف بالرسم البارز. وعن تكرار اللون الذهبي في لوحاتها، أجابت أنّها أرادت أن تضع لمسة عصرية للوحات؛ فهذا اللون رائج جدا، وتزيد خطوطه المشعّة الرسمَ رقياً وفخامة. ومن لوحات الطبيعة هناك أوراق الأشجار عبر بعض اللوحات، تراها الفنانة رمزا للطبيعة، وكذا الأنهار والسلاسل الجبلية المكسوة بالثلج وغيرها.
ولم يخلُ المعرض من المرأة التي تشبه إلى حدّ كبير الطبيعة، خاصة من جانب الطاقة والعطاء، منها لوحة سيدة بكامل زينتها. ووضعت الفنانة حليا حقيقية عليها. كذلك لوحة بالأسلوب التكعيبي، خصّصتها لأم ياسر، التي لاتزال تعيش على أمل أن يعود ابنها المفقود، وبالتالي جاءت اللوحة كنوع من التضامن الإنساني. لوحات أخرى مخصّصة للديكور، منها لوحة بيضاء ذات تموّجات بارزة تشبه الأمواج، تخرج منها لؤلؤة ذهبية، فسّرتها الفنانة برمز للجزائر الغنية بثرواتها الطبيعية.
وفي ركن آخر اصطفت لوحات تحكي تاريخ الجزائر القديم في منطقة التاسيلي من خلال الرسومات المنقوشة على الصخور، عدّتها جزءا من طبيعة الصحراء، تعكس التاريخ السحيق، والهوية، ناهيك عن الرموز التي بقيت أحيانا مبهمة لم تفسَّر بعد. وعن عناوين لوحاتها باللغة الإنجليزية قالت الفنانة إنّها تتقن هذه اللغة التي يتحدّثها العالم، وبالتالي أرادت توظيفها في المعرض بدل اللغة الفرنسية.
وفي الأخير تحدّثت الفنانة لـ«المساء" عن تجربتها في الكتابة، وعن إصدارها الأخير في سيلا 2025 عن دار " إيكوزيوم" بعنوان "خطوات إلى القمر" ، يتضمّن خواطر شعرية، ونصوصا بمواضيع شتى، منها أحلام بني جيلها من الشباب، التي ترى أنّ من الجميل تحقيقها رغم كلّ الظروف. كما كتبت عن الطبيعة، والوالدين، وعن الرومانسية أيضا.