ياسمينة خضرا ضيف صالون الكتاب:
ألم فلسطين تحوَّل إلى إدانة للضمير العالمي الميت
- 124
مريم. ن
عجّت قاعة "الطاهر وطار"، أوّل أمس، بالوافدين من كلّ حدب وصوب لاستقبال الروائي الكبير ياسمينة خضرا، ضيف الطبعة التاسعة والعشرين لصالون الجزائر الدولي للكتاب. وقد رافع الكاتب من خلال روايته "راهب بيت لحم "، عن الشعب الفلسطيني الذي يواجه الإبادة على المباشر دون أن يتحرك الضمير العالمي، مؤكداً التزامه مثقفاً وجزائرياً، بالدفاع عن القضية مهما كلّفه ذلك من ثمن.
توقف الكاتب خلال هذا اللقاء الحميمي مع قرّائه، الذين تنقّل بعضهم من أقصى الحدود (تبسة مثلاً) للقائه، والاستماع إلى حديثه الذي كان حماسياً، رافضاً للخنوع والاستسلام للهيمنة، مستعرضاً بالمناسبة روايته الجديدة “ راهب بيت لحم "الصادرة هذه السنة عن دار"القصبة"، التي قال عنها" لا عقل فيها ولا سبب"؛ بل هي المواجهة المفتوحة وفقط.
وتناول الكاتب في بداية لقائه، قضية فلسطين التاريخية، التي هي أرض الرسالات والأنبياء، وموطن المسيح عليه السلام، الذي وصفه بأوّل فدائي فلسطيني، مضيفاً أنّ الرواية مواجهة مع الذات والآخر باسم الضمير الإنساني. وهي المرآة التي لا تخفي شيئاً، وتجعل الهاربين من مواجهة حقيقة المأساة، يصطدمون بالحقيقة كما هي دون مساحيق. وأعرب في الوقت نفسه، عن مدى إحباطه مما وصلت إليه الإنسانية اليوم من تبلّد وموت، جعلها تغضّ البصر حتى عن جرائم لم يشهدها التاريخ، فيما غابت النخب والأصوات الحرة التي كانت في ما مضى، مع الحق، ومع حرية الشعوب.
غزة معيار للضمير الإنساني
قال ياسمينة خضرا إنّ غزة ومن خلالها كل فلسطين، كانت المحكّ والمعيار الذي قيست من خلاله قيم الإنسانية والضمير العالمي، ليتبيّن أنّ الغياب والصمت هو الغالب في هذا الزمن الذي لم يعرف له التاريخ مثيلاً. وعبّر الكاتب عن ألمه وغضبه لما يجري من إبادة، واصفاً إياها بالكابوس؛ لذلك رأى أنّ من واجبه الردّ، واتّخاذ موقف واضح وصريح وشجاع، يجعله لا يخجل وهو يرى وجهه في المرآة، قائلاً: “ أنا لا أعيش دون كرامة وإلا لما أكتب. ورغم تعرّضي للمضايقات فإنّ جمهوري يدعمني". وأكد ياسمينة خضرا أيضاً أنه جعل القارئ يرى الحقيقة أمامه، ويواجهها رغماً عنه، وهو الذي لا يحبّ ذلك، ويحاول الهروب؛ كي لا يرى نفسه الخانعة.
كما أكد ضيف “ سيلا “ أنّ السكوت على الجرائم أو حتى الحياد، هو تواطؤ معلن ضد الشعب الفلسطيني، منتقداً ما وصفه بتراجع استقلالية المثقفين، وانسحاب العديد من الأصوات التي كانت تمثّل ضمير الإنسانية؛ خوفاً على مصالحها الضيقة. وقال إنّ إسرائيل لاتزال خارج دائرة المساءلة والعقاب، مستعرضاً بعضاً من صور القتل والتنكيل، و “ إنّ ما يجري هناك تجاوزَ الإبادة، ولا يوجد وصف يناسب ما يجري اليوم في فلسطين! ". وفي ذلك يؤكد ياسمينة خضرا قائلا: "إننا اليوم أمام تحدٍّ: إما أن نكون أو لا نكون".
وأشار المتحدث إلى أنّ العالم اليوم لا حجة له؛ فهو، بفضل تقنيات الاتصال والتكنولوجيا، يرى كل ما يجري أمام عينيه، وبالتالي يواجه الحقيقة كما هي على الأرض. وعدم التحرك يعني المشاركة في ما يجري، والمساهمة في إبادة شعب، وقضيته، وبالتالي ستتجرأ غداً قوى عظمى لتفعل ما تريد حيثما تريد؛ فعلى الإنسانية أن تستيقظ، وتكفّ عن صمتها وإلا وصلت المأساة إلى أبواب الجميع.
الكون أصبح مسمَّماً
وأكد المتحدث أنّ الغرب أصبح مغيَّباً، وشعوبه رهينة، وكذلك مناطق أخرى من العالم، ذاكراً كوريا الجنوبية التي رفضت دخول روايته إليها، وهو ما وصفه بتسمّم الكون، علماً أنّ كتبه تشهد اليوم، تضييقاً؛ كي لا تدخل المكتبات عبر العالم. ورغم ذلك دعا الكتّاب لئلاَّ يتخلّوا عن كرامتهم واستقلاليتهم الفكرية؛ كي لا يتم استغلالهم، فتمسُّكهم بكرامتهم، حسبه، قد يكلّفهم الكره، لكنهم ـ أكيد ـ سيكونون محترمين، مع السعي دوماً للمساهمة في بناء الوعي عبر العالم، مؤكداً بالمناسبة، أنه لا ينتمي لأي لوبي أو شبكة مصالح، وموضحاً أنّ الأدب الحقيقي مطالَب بأن يكون صوتاً للجمال، والمقهورين، وأن يسهم في إيقاظ الضمير، والوعي، ورسم الطريق نحو غد مشرق.
وأبدى الكاتب استعداده للمواجهة، ورفضه الاستسلام لليأس، آملاً في تجاوز المآسي تماماً كما يظهر الاخضرار وسط غابة سادها رماد الحريق، ومؤكّداً أنّ روايته ستظلّ حاضرة حتى وإن واجهت صعوبات في الترجمة والنشر؛ لأنّ صوت الحقيقة لا يموت. ومن جهة أخرى، أكّد الكاتب أنّه حاول في روايته تجنّب الخطاب المباشر. وعمل على عرض الحقائق كما هي في فظاعتها؛ إذ لم يسعَ إلى التجميل، ولا إلى حبكة هدفها الانتشار، والتسويق.
وفتح الكاتب نقاشاً مباشراً مع الجمهور، مستحضراً شجاعته في مواجهة الإرهاب حين كان جندياً في صفوف الجيش الجزائري. وهذه الشجاعة لاتزال إلى اليوم، زيادة على إيمانه بالله، وبالأقدار التي يكتبها، ومنوّهاً في الوقت نفسه، بموقف الجزائر وشعبها من فلسطين؛ فالجزائريون أحياناً هم أكثر فلسطينية من الفلسطينيين أنفسهم، ووصلوا إلى أن يشجّعوا فريق فلسطين ضد فريقهم الوطني، وهكذا هي الجزائر دوماً. وعن التاريخ أشار إلى أنه استعان ببعض الشخصيات الوطنية في أعماله؛ منها مثلاً مصالي الحاج، وفرحات عباس، وكذا فنانين كآيت منقلات، ليختم اللقاء بالأمل، وبأنّ القراءة هي ما تؤدي إلى النور. وكل خيال هو حقيقة في جوهره، وأنّ الخير دوماً هو المنتصر. والشرير هو من يسقط في شرّ أعماله، وفي فخّ التعالي، والغطرسة.